Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

تقرير عن أشغال لقاء قيم المجتمع الديمقراطي

بيت الحكمة

تقرير تركيبي عن أشغال لقاء:

قيم المجتمع الديمقراطي

المنعقد بمكناس

نظم بيت الحكمة خلال أيام 8 و9 و10 ماي 2008 بمدينة مكناس لقاء حول موضوع قيم المجتمع الديمقراطي حضره عدد من الفعاليات الثقافية السياسية والحقوقية والنسائية والإعلامية.

ألقت السيدة خديجة الرويسي في افتتاح هذا اللقاء كلمة تطرقت فيها إلى الأسباب التي حدت ببيت الحكمة إلى تنظيم اللقاء وإلى الأهداف المتوخاة منه وتناولت الخيارات الجوهرية المطروحة أمام المغرب في سياق مسار الانتقال الديمقراطي الذي اختاره، ومسؤولية النخبة بمختلف مكوناتها في هذا الباب لتسائل القيم السائدة ومدى قدرتها على مواكبة الانتقال الديمقراطي وإنجاحه وتطرح سؤال القيم الكفيلة بمواجهة الخيار السيء، ولتختم كلمتها بالإشارة إلى الحوارات التي انطلقت في المغرب خلال السنوات الأخيرة بمناسبة تقرير الخمسينية والتقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة وغيرهما.

تم خلال الجلسة الافتتاحية والتي ترأسها السيد منير بنصالح، تقديم الأستاذ أحمد شوقي بنيوب للدراسة التي أنجزها لتكون أرضية مفصلة لهذا اللقاء، وقد تعرض في تقديمه الموجز لهذه الدراسة، التي يعتبرها تقريرا، لبعض الأجزاء المهمة منطلقا من الديناميكية الملموسة التي يعرفها المغرب ومن التضارب الموجود في توصيف الأوضاع وتشخيصها ومن تحديد مفهوم القيم والذي يحيل على التفضيلات الجماعية. وبين كيف أصبحت حقوق الإنسان متلازمة مع الديمقراطية والتنمية والسلم وحكم القانون مع صدور ميثاق الأمم المتحدة وكيف تبلور ميثاق التسامح، ثم تطرق إلى ما ورد في الجزء الثاني من الدراسة بصدد الوطنية والديمقراطية وإلى تراجع دور الطبقة التي صنعت الوطنية ليتساءل عن التهديد الذي يمكن أن يحد من وظائف المجتمع المدني.

وفي سياق الديناميكية الراهنة التي تعرفها البلاد أشار إلى أهمية نجاح المغرب في تقييم خمسين سنة من التنمية من لدن خبراء محليين في شتى المجالات أسفر عملهم عن منتوج وطني هو الأول في بابه، كما أشار إلى التدبير الجيد لثلاثة قضايا كبرى هي مدونة الأسرة والأمازيغية و معالجة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ثم تحدث عن جملة من القيم من أهمها الكرامة الإنسانية التي لاديمقراطية بدونها والتعايش الديمقراطي وحرية الرأي وإعلان شأن المعرفة، والاعتراف والحوار والتسامح، وأحال بهذا الصدد على الدراسة وما تضمنته من تصنيفات للقيم ومن استشهادات واستنتاجات مبينا سياق بلورتها ومنهجية الاشتغال عليها.

وفي نفس الجلسة، ألقى الأستاذ المحجوب الهيبة عرضا بعنوان « عناصر أساسية من أجل مواطنة بيئية » تطرق فيه إلى انشغال العالم خلال الستين سنة الأخيرة بالبيئة باعتبارها شرطا لتحسين جودة الحياة وبالتالي للديمقراطية وإلى غياب هذا الانشغال في المغرب في صفوف النخبة، وارتأى أن ثمة ستة عناصر أساسية للتفكير في قضايا المواطنة بارتباط مع موضوع البيئة هي :

كونية المسألة البيئية، وما تشكله من مصلحة مشتركة ومسؤولية مشتركة، والتلازم بين الحق والمسؤولية وما يستوجبه موضوع البيئة من إعمال لمبدأ الاحتراز وما يتطلبه من إقناع واقتناع.

ثم تدخل الأستاذ محمد كرين في موضوع الممارسة السياسية الكفيلة بتكريس قيم المجتمع الديمقراطي، فتطرق لبعض مظاهر الممارسة السياسية في المغرب متسائلا عن مدى احترامها لقيم المجتمع الديمقراطي ومذكرا بأوضاع الأحزاب السياسية والأداء البرلماني ومجموعة من السلوكات السياسية التي شوهت العمل السياسي والديمقراطي وأفقدته المصداقية لدى المواطن وركز على ثقافة الفساد بمختلف مظاهره مستشهدا بما عرفه تجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين يوم 8 شتنبر 2006 وتداعياته التي أدت إلى تدني المشاركة السياسية وما تثيره من انتباه إلى تدني الممارسة السياسية وتعميم نموذج الحزب الإداري، ليطرح في الأخير ضرورة تأهيل الممارسة السياسية والطبقة السياسية باعتباره مدخلا وشرطا للنهوض بالعمل السياسي خاصة وأنه لا ديمقراطية بدون أحزاب ذات مصداقية.

في آخر مداخلة خلال الجلسة الافتتاحية تناول السيد نور الدين مفتاح موضوع « الإعلام وقيم المجتمع الديمقراطي« . استهل تدخله بالإشارة إلى النقد القاسي الموجه إلى الجسم الصحفي في الآونة الأخيرة. فهذا الجسم أصبح يشكو من سوء تفاهم مع النخبة ومع السلطة ومع المواطن وحتى مع نفسه، متسائلا عما إذا كانت الصحافة في مستوى لحظات الانتقال أم أن الطبيعة المتعثرة لهذا الانتقال هي التي لم تتمكن من احتضان العمل الصحفي وقد انتقل من النضالية إلى الاحترافية. فلا مجتمع ديمقراطي بدون صحافة مستقلة. وتحرير الإعلام ينبغي أن ينصب على ما هو موجود؛ فمن غير المعقول أن تبقى الصحافة خاضعة لقانون سيء وأن تظل مهددة بقضاء غير مستقل وغير متخصص وغير عادل. والاحتكام إلى القضاء عند وقوع تجاوزات، أصبحت واقعا قائما، ينبغي أن يصبح أمرا عاديا شريطة أن يحقق هذا القضاء التوازن المطلوب بين الخطأ والعقاب. صحيح أن قطاع الصحافة قطاع مريض ولكن المجتمع يتحمل المسؤولية، إذ أنه يعاقب الجودة. وتأثير الصحافة في المجتمع ضعيف.

إثر المداخلات، فتح السيد منير بنصالح رئيس الجلسة باب النقاش الأولي حول العروض المقدمة، فنوه عدد من المتدخلين بالدراسة المتخذة أرضية للقاء وأثار بعضهم ملاحظات بخصوصها تتعلق أساسا بالاختصار والاختزال اللذين طبعا مفهوم القيم وتحاشي إثارة إشكالية التوتر الدائم بين الخصوصية والكونية. وأشارت التدخلات إلى أن الديمقراطية سيرورة وبناء مستمر وأنها لا تبنى حسب خصوصية كل بلد وأن القيم مسؤولية مشتركة وشاملة غير أنها لم تتطور بما يستوعب اتساع الحريات، وأن الحاجة تدعو إلى انتاج قيم جديدة تأخذ بعين الاعتبار كون العقل مرجعية أساسية. كما ورد فيها أن استراتيجية الاستبعاد تولد التطرف في حين أن استراتيجية الاستيعاب تخلق التحول، وأن التطرف الديني لابد أن يحظى بالاهتمام شأنه شأن انعزال الشباب وانحسار العمل الحزبي، وهو ما يحتم مراجعة عميقة للفكر السياسي وفتح نقاش وطني حول أزمة الأحزاب السياسية.

وزعت أشغال الندوة على ثلاثة محاور :

خصص المحور الأول لمناقشة « المعايير الإنسانية والمبادئ الدينية والرصيد الحضاري والمكتسبات الوطنية وقيم المجتمع الديمقراطي ». رئيس الجلسة السيد عبد العالي مستور.

قدمت التدخلات الأولى في هذا المحور مداخل لمناقشته، فتساءلت حول العلاقة بين الرأي والعقيدة، وإذا كانت العقيدة حسب هذه التدخلات قطعية وثابتة، فإن الرأي قابل للنقاش، والديمقراطية لحظة انتقال من العقيدة إلى الرأي. إنها تقوم على مقاربات متغيرة باستمرار. ثم طرحت أزمة القيم داخل المجتمع وتساءلت حول إمكانيات النقاش والتأثير.

وفي حين سجلت بعض التدخلات أن رصيدنا الحضاري قائم على الاستبداد وأن الدين ينطوي على مضامين مناقضة لحقوق الإنسان وأن التراث لا يتضمن قيم الديمقراطية، لاحظت أخرى أن لدينا تاريخا ورصيدا مهمين وأن ثمة حاجة للنبش في هذا التاريخ ورد الاعتبار إليه والكشف عن محطاته.

وفيما يتعلق بمسألة الخصوصية، اعتبرها أحد المتدخلين منطقا محافظا بطبيعته يضع المتشبثين به خارج التاريخ. فمرجعيات القيم متعددة وهو ما يقتضي تجاوز منطق الخصوصية والتحرر من الافتراضات المسبقة واستحضار الرصيد المجتمعي بما تراكم فيه من اجتهاد وتفاعل وتعايش.

وقد ورد في تدخل آخر أن الممارسات السياسية وخاصة ممارسات القوى ذات المرجعية الدينية بعيدة عن الممارسة الديمقراطية بدعوى هذه الخصوصية بالذات، في غياب كل نقاش مسئول حقيقي في المجال العمومي وفي غياب اضطلاع الإعلام بدوره في التوضيح والتدقيق والتنوير.

بيد أن التعايش يقتضي أولا حسب أحد المتدخلين الولاء للوطن باعتباره مشتركا ثم مراعاة ما تشمله قيم الديمقراطية من مساواة وكرامة ومن اعتبار للفرد، فهذه القيم محصلة لمساهمات شتى الحضارات. إن ثمة ضرورة لطرح الأسئلة التي لا مندوحة عنها لبناء المجتمع الديمقراطي ووضع عناصر جواب عنها ومعاينة تمظهراتها وإنجاز تصور تركيبي يساعد على الخروج من حالة عدم الاقتدار الديمقراطي وعلى التخلص من الشعور بهشاشة الالتزام ببناء الديمقراطية، في حين اعتبر البعض أن الديمقراطية تبنى انطلاقا من خصوصيات كل بلد.

والجدير بالإشارة أن فكرة تجاوز الخصوصية استأثرت باهتمام المشاركين والمشاركات وخاصة بالنظر إلى مصدرها. وقد وردت بشأنها تعاليق حول مدى الانسجام بين الخطاب والممارسة مع التشديد على أن الممارسة هي المحك.

إن هنالك قيما مشتركة تتجلى في المعرفة والتعليم والحوار وتدبير الاختلاف والإنصات الوجداني وإعادة النظر في اللغة الاقصائية والإتهامية واللغة التي تغيب المسؤولية ولا تعترف بالآخر.

و انطلاقا من التأكيد على أزمة القيم داخل النخبة وداخل المجتمع أثيرت مسؤولية الدولة في تعميم الرصيد الحامل للقيم ووجوب إنجاز بناء مشترك جماعي قائمة على الثقة تلعب فيه النخبة دورا أساسيا، إلى جانب الدور الذي ينبغي أن تلعبه التنشئة والتربية والمدرسة والإعلام في إنتاج القيم وتأصيلها بما يمكن من التمييز بين القيم المزكية والمؤسسة للمجتمع الديمقراطي والقيم المضادة له، دون إغفال التطور التكنولوجي والمعلوماتي وما صاحبه من ظهور قيم جديدة ومن قطيعة اجتماعية بين الأجيال تفرض ضرورة استيعاب الآليات والوسائل التي يفكر فيها الشباب ومواكبتها.

وخلص النقاش إلى أن موضوع القيم وعلاقتها بالديمقراطية والمرجعيات والرصيد التاريخي والمكتسبات يحتاج إلى نقاش واضح وعميق ومستمر داخل المجال العمومي. وقد اعتبرت الندوة بداية لهذا النقاش الجدي والمسؤول.

تطرق المحور الثاني لسؤال : « أي قيم لانتقالنا إلى الديمقراطية؟ » رئيسة الجلسة السيدة خديجة المروازي وقد مهدت للجلسة بالقول إن تطور الديمقراطية مشروط بالتعددية وبالتوازن الحرج بين مختلف القوى السياسية والتعلم الذي يسمح بإمكانية الحل السلمي للصراع، علاوة على مسؤولية الدولة ومختلف الفاعلين في حماية الحقوق والحريات.

انصب النقاش على أهمية القيم ومفهومها وترتيبها وعلى مفاهيم الديمقراطية والتناوب والمحاسبة والمسؤولية وحرية التعبير التي تتعارض مع نشر الأكاذيب، والانتقال إلى الديمقراطية وما يقتضيه من إنصات ومساواة بين الجنسين، واحترام القانون والكفاءة في ممارسة الحقوق.

وقد اختلفت التدخلات حول سلم ترتيب القيم في مرحلة الانتقال السياسي إلى الديمقراطية، فأعلى البعض من شأن الذكاء والمعرفة، في حين ركز آخرون على أن الديمقراطية تقتضي أولا الإيمان بحقوق الإنسان ثم الاعتراف المتبادل بكافة المكونات والقوى بغض النظر عن مرجعيتها والنزاهة والدولة بما هي قيمة والثقافة والعقلانية والحق في الاختلاف.

إثر ذلك انتقل النقاش إلى مساءلة العمل السياسي وممارساته وما نتج عنها من عدم تحقيق الديمقراطية لوظائفها بما فيه وظيفة الانتخابات وما خلفته من أزمة ثقة في الانتخابات كما في مؤسسات الدولة ومن تمثيلية سياسية هزيلة وعزوف عن المشاركة، فدعا النقاش من ثمة إلى ضرورة التوافق بشأن المشروع الديمقراطي ومرتكزاته وآلياته بما يقتضيه ذلك من تفكير في الاختلافات القائمة بين الأطراف داخل المجتمع وتأصيل للقيم وإعمال لمبادئ المساءلة والمحاسبة ومن دعوة للحركة الإسلامية التي تتبنى الديمقراطية إلى الوضوح والتخلي عن عقيدة الولاء والبراء وعن التمييز بين القوانين الإسلامية والقوانين الوضعية، ومن مراهنة على النخبة في هذا النقاش استنادا على المشترك بين الجميع في باب الديمقراطية التي تلعب القيم دورا أساسيا في صيانتها من الأخطار التي تتهددها من خصوم القيم الذين يستعملونها ويتحايلون عليها من أجل الوصول إلى السلطة.

وبالرغم من استئثار إشكالية المصطلح وتحديد المفاهيم بالنقاش، فقد عبر البعض عن تحفظه بخصوص مصطلح الانتقال إلى الديمقراطية، وعن ميله إلى استبداله بمصطلح البناء الديمقراطي أحيانا وبالانتقال السياسي أحيانا أخرى تبعا لتباين المنطلقات، بيد أن الاتفاق قد حصل حول القيم الوظيفية التي تضفي طابعا إيجابيا على السلوك السياسي في إطار مشروع سياسي بغض النظر عن صحة نتائج هذا المشروع القائم على تحليلات فكرية وغير المقتصر على التحليل السياسي الذي يفضي إلى انزلاقات، بقدر ما حصل حول دور المؤسسات التربوية والتعليمية والأحزاب الجمعيات والصحافة… في إنتاج القيم وصيانتها، مما يتطلب التفاف هذه المؤسسات جميعا حول ميثاق أخلاقي يتضمن قيما غير قابلة للانتقائية، قائمة على أولويات تراهن على المؤسسات عوض الأشخاص وعلى الاستثمار في مجال القيم وفي مجال تصفية الالتباس المتصل باللغة واستعمالاتها.

إن احترام القوانين، بغض النظر عن الموقف منها، وحب الوطن الذي يجب تلقينه بوصفه قيمة وترجيح المصلحة العامة وتغيير أنماط والسلوك وجودة التعليم ومواجهة الانحسار الثقافي بالمعرفة والمساواة بين الجنسين والحق في الاختلاف والثقة في إمكانية البناء بالارتكاز على ما هو مشترك وضرورة بناء دولة حديثة باعتبارها شرط وجوب للدولة الديمقراطية، أمور تجاذبها النقاش في سياقات القيم أحيانا، وفي سياق شروط الانتقال إلى الديمقراطية أحيانا أخرى، وهي شروط موضوعية بامتياز بالنسبة لكل نقاش حول القيم بجميع حمولاتها الأخلاقية، واللازمة لبناء مجتمع ديمقراطي بجميع حمولاته السياسية.

تناول المحور الثالث  » فضاءات وآليات تدبير النزاعات الناشئة عن انتهاك القيم » رئيس الجلسة السيد نور الدين أفاية.

وطأت له رئاسة الجلسة بتقديم مسهب أوضح أن النزاع جزء من الواقع والوجود، وقد يكون محركا أساسيا للتغيير، لكن لا بد من تسويته عبر تحديد نوع النزاع وطبيعته واختيار الطريقة المناسبة لحله. وبخصوص هذه النقطة أشار التقديم إلى وجود طريقتين بارزتين لفض النزاعات، أولاهما يمكن استنباطها من تحليلات مكيافيلي، ومفادها أن فض النزاع لا يمكن أن يتم إلا عن طريق العنف، وثانيهما أطروحة من أبرز ممثليها جورجين هابرماس، وتقوم على الحوار المحتكم إلى العقل وغير المنفصل عن التربية على السلم، فأصل الديمقراطية هو الحوار القائم على التفهم والتفاهم والاعتراف بالآخر والاستعداد للتنازل الجزئي عن الذات و إدارة التفاهم مع الآخر باعتباره ذاتا تمتلك كرامة مما ينطوي على عنصر الاحترام الذي لا تقوم له قائمة بدون الإنصات بما يستتبعه من حرية التعبير والالتزام بالجواب وإرادة البحث الجماعي عن الحقيقة، فهذه هي شروط الحوار الحقيقي القائم على الحجة والإقناع.

وطرح التقديم تساؤلات تشكل مداخل للنقاش وتتعلق بكيفية النظر إلى النزاعات التي تفرضها التحولات العميقة للمجتمع وعلاقتها بالحداثة والتركيبة الثقافية المتعددة وما تفرزه من أنسجة للتضامن على رأسها التضامن الأبوي (حسب بول باسكون) وبالحركية الفائرة والرضات التي يعرفها المجتمع وما أفرزته من نزاعات متعددة ومظاهر جديدة للاحتجاج وبآليات فضها ومدى جدوى المراهنة على القضاء وحده في حلها.

تمحورت التدخلات حول صعوبة تحديد النزاعات وطبيعتها ومداها وأبعادها وحول وجوب الاتفاق على حد أدنى ضروري لفضها، وبناء أرضية للتفاهم وأشارت إلى أن النزاعات داخل الأحزاب تؤطر دائما بأنها نزاعات حول قيم، والحال أنها غالبا ما تكون قائمة على مصالح، وأنها تؤدي إلى انشقاقات تعبر عن عدم استيعاب التعايش داخل نفس الإطار بين الرأي والرأي المخالف مما يؤول إلى استنساخ النموذج المخزني، فمن الضروري إذن فرز آليات جديدة لحل هذه النزاعات. ولاحظت اللجوء المتزايد إلى آليات خارجية من ضمنها القضاء في غياب الآليات الديمقراطية الداخلية واقترحت التدخل الخارجي الطوعي والقبول بتحكيم المجتمع المدني في النزاعات الحزبية والإشراف على انتخابات هيئاتها وهياكلها.

وسجلت تدخلات أخرى أن الوضع الراهن السائد في هذا الباب له جذور تاريخية تتمثل في الازدواجية الموروثة عن المرحلة الكولونيالية والتي أنتجت نوعا من انفصام الشخصية وفي محاولات إرجاع المجتمع المغربي إلى التقليدانية رغم ما ساد من تطلع إلى التحديث، فالنزاعات تنشأ عن تدبير غير كاف أو غير منصف لحالة معينة وعن التطاحن بين قيم متعارضة والجنوح إلى التحريض والصراع أكثر مما إلى فض النزاع.

ومن أسباب هذا الجنوح تغليب المواقف السياسية والحسابات الظرفية وغياب الفكر والتحليل الموضوعيين والاستماع المتبادل وحضور العنف بشقيه الرمزي والمادي، بيد أن فض النزاع يقوم على منطق التنازلات الحكيمة أكثر مما يقوم على منطق الحقيقة والخطأ. ويقتضي تصحيح هذا الوضع إعادة النظر في المنظومة التربوية وترشيد الحوار الوطني والنقاش العمومي مع احتواء غلواء الصحافة المستقلة والتخفيف من حدة الحسابات السياسية الظرفية واستعمال المؤسسات الوسيطة أو الوسطاء المدنيين.

ومن المتدخلين من يرى أن جوهر النزاعات وأصولها هي :

أولا: توزيع الثورة وإنتاجها؛

ثانيا: إقصاء بعض المكونات وتهميشها؛

ثالثا: السعي المحموم نحو التحديث الاقتصادي أو الوظيفي.

فالحاجة تدعوإلى إصلاح الإطار العام وهو الإطار السياسي والمؤسساتي والقانوني.

والواقع أن مقولة النزاع وفض النزاع تحيل على الإنسان مع نفسه ومع الآخر داخل جميع فضاءات الحياة، وعلى مدى وعي الإنسان بمكانته وقيمته ووجوده داخل المجتمع. ويقتضي فض النزاع خضوع آلياته وقواعده للعقل ولمبادئ الديمقراطية. ويبدأ العمل على هذا الصعيد من الأسرة التي ينبغي أن تكون فضاء للحوار ولثقافة الحوار.

وقد تم التذكير في هذا الباب بتجربة المجتمع الأمريكي في ترسيخ مفاهيم التنشيط والتفاوض وإحداث آليات لذلك على جميع الأصعدة وبشروط الحوار من حجاج وإقناع ومن بناء خطاب مهيكل ومؤسس ومعلل.

ولوحظ من خلال تدخلات أخرى غياب جهات يمكن الاحتكام إليها في حال وجود نزاعات، وغياب الحوار المنافي للزعامة مع وجود زعامة تشل الحوار، والحال أن أسباب النزاع تتغذى من الظلم الاجتماعي والفساد وانعدام فصل السلط وعدم استقلال القضاء وافتقار الأحزاب إلى الديمقراطية. وهي أمور أدت، من بين ما أدت إليه، إلى عزوف المواطن عن انتمائه إلى المجموعة.

والشروط الأولى لتجاوز هذا الوضع هي صيانة المشترك وتقويته وتدعيمه والتركيز على التنشئة الاجتماعية ودور الإعلام ووسائل الاتصال السمعي البصري وتعزيز القضاء والنهوض به وبأدواره، والاشتغال بوضوح وشفافية على بؤر التوتر (الشأن الديني، اللغات…) والنهوض بدور ومؤسسات المجتمع المدني وتجديد الثقافة السياسية وإسهام الجامعة في النقاش حول هذه الموضوعات وتحليلها وإمكانية الاحتكام إلى منظومة قيمية والكشف عن الحقيقة ووضع ضمانات حقيقية لعدم تكرار ما جرى من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة…

وفي خضم النقاش شددت العديد من التدخلات على الصراع المجتمعي الذي تخوضه فئة اجتماعية وازنة هي فئة النساء داخل الأحزاب ومؤسسات المجتمع والدولة من أجل التحرر والمساواة الكاملة بما يمكنها من المساهمة في بناء المجتمع الديمقراطي وعلى ضرورة التأصيل الدستوري والتشريعي والمؤسساتي لمكانة النساء ودورهن في البناء الديمقراطي إلى جانب باقي الآليات الأخرى المقترحة لفض النزاعات.

ومن أهم ما يمكن استخلاصه من أشغال الندوة أن النقاش حول قيم المجتمع الديمقراطي، كائنها وممكنها، جذورها ومحمولاتها، شروطها ومكوناتها، كما حول اعتبارها شرطا للبناء الديمقراطي، نقاش بدأ ليستمر ويتوسع ويتغذى بمساهمات مختلف الفاعلين والمثقفين والمهتمين، وأنه بداية موفقة وخطوة أولى يشكر كل من ساهم في تحقيقها.

mai 19, 2008 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :