Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

الفرد و الفردانية في تاريخ الحضارات

يبرز تاريخ الحضارات الإنسانية بصورة عميقة دور الفرد و الفردانية في تطوير التجارب الإنسانية و اكتشاف المعارف و الرقي بوضعية الإنسان و تأكيد عبقريته و تميّزه وسط الطبيعة، بوصفه كائنا تاريخيا صانعا و مبدعا، أي حرّا.

غير أنّ ذلك لم يمنع من أن يظلّ الفرد عضوا في جماعة منظمة، تضمن له السلم و الأمن الضرورين لكي ينتج و يبدع، دون أن يظلّ محكوما بشكل مطلق بضوابط متوارثة تجعل منه أداة لتحقيق أهداف متعالية تضعها الجماعة فوق كل الأفراد.

إنّ دراسة كيفية تشكّل الحضارات و ازدهارها يمكّن من أن نلمس بوضوح بأنّ التحولات التي تطرأ على الجماعة البشرية، و التي تنقل نظام العلاقات من الروابط القبلية و الوشائج المحلية الضيقة إلى آفاق التمدّن الأوسع، إنما تتميز على وجه الخصوص ببروز دور أكبر للفرد كذات مفكّرة و كرؤية للعالم و كتجربة متميّزة، تعمل بذكاء كبير على صهر عناصر الوجود الجماعي في إطار رؤية فردية تسمح بالتجاوز نحو القيم الممكنة، حيث لا يتعامل الفرد مع ما هو موجود على أنّه نظام منته و كامل بقدر ما يسعى عبر التفكير فيه و مساءلته إلى تأزيمه من الداخل و إبراز تناقضاته و طرح بديل له أفضل مما هو موجود، مما يسمح بتطور الوضعية الإنسانية و بتواجد الإنسان باستمرار خارج ذاته، أي في المستقبل.

هذا ما حدث في فجر الحضارة اليونانية مثلا، عندما سمحت التجربة الفردية منذ القرن السادس قبل الميلاد بتعميم التعليم و الحق في المعرفة بدل احتكار الأرستقراطية و الكهنة لسلطة المعرفة في إطار نظام اجتماعي تسود فيه قيم الجماعة و نظرتها إلى الكون و الإنسان، و لم يكن صدفة أن يظهر في تلك المرحلة أول فيلسوف في تاريخ الفكر البشري لينادي بمبدإ « إعرف نفسك بنفسك » (سقراط)، المبدأ الذي كان يتوجّه إلى الفرد ليوقظ لديه كل قدراته العقلية الكامنة التي تتوارى وراء حجاب سميك من التقاليد و القيم الجماعية المتداولة، و هو ما أعطى تراكما باهرا من الأنساق الفكرية و النظريات العلمية و الإنتاجات الفنية التي ما زالت تثير اهتمام العالم بعمقها و تناسقها. و قد حدث نفس الشيء في فجر الحضارة الإسلامية، عندما انتقل المسلمون من إطار القبيلة العربية المنعزلة و النزعة الحسية البسيطة، إلى التمدّن الإسلامي الممتد على جغرافية مترامية، و هو انتقال لم يكن ممكنا لولا المغامرة الفردية التي تمّت عبر التفاعل الثقافي و البشري و عبر الترجمة و تجاوز الضوابط و الأنساق الجاهزة، مما سمح ببزوغ دور الفرد المفكر، العالم و الفيلسوف و المتصوف و الشاعر و الأديب المبدع الذي استطاع رغم طبيعة الدولة التيوقراطية أن يتخطى كل الحدود التي رسمها التوجه الأورثوذوكسي، و أن يبلور رؤى مختلفة للعالم أضفت على الحضارة الإسلامية طابع التنوع و الغنى و الإنفتاح. و لم يكن صدفة أن يتزامن التراجع الحضاري للمسلمين مع هيمنة التقليد و شيوع نموذج سلطوي للإيمان و التدين مما أدّى إلى خنق المبادرة الفردية و الحجر على العقول في إطار ما سمي بإغلاق باب الإجتهاد.

و في سياق الحضارة الأوروبية الحديثة، نجد بأنّ الثورات العلمية و الإكتشافات الجغرافية و الحركات السياسية و الإختراعات و المذاهب الفكرية و المفاهيم الجديدة كلها تمّت في إطار تحول جذري لأوروبا من عصر النهضة نحو نموذج الدولة الحديثة التي نشأت خلال القرن السابع عشر، و التي قامت بشكل كبير على الإعلاء من قيمة الفرد و احترام حقوقه الأساسية، و لهذا كانت الفردانية عنوانا للتحرّر و المبادرة و الإنتاج و الفعل الحضاري في تجاوز تام لسلطة الكهنوت و ضوابط المجتمع الإقطاعي القديم، كما اعتبر شعور الفرد بتميزه و حرصه على حريته و حقوقه من مظاهر التقدم العام. و عندما نادى ديكارت « أنا أفكر إذن أنا موجود » كان ذلك بمثابة تعقيب تاريخي حاسم على واقعة اضطهاد غاليلي، و إعلان لضرورة تحرير العقل البشري و إطلاق مواهب الفرد في الإكتشاف و المعرفة . و كانت ثمرات كل ذلك ما تعرفه المجتمعات العصرية ـ التي تهيمن فيها فكرة الحرية و المساواة، و التي لا تخضع للترابية القديمة الدينية و القبلية ـ من تطور و تفوق كبيرين، حيث تعتبر وضعية الفرد و حرياته و حقوقه الأساسية معيارا لتطوير إنتاجيته و ضمان تطور المجتمع ككل، مما يبرز بأن الحقوق و الحريات الفردية لا تتعارض مع المصلحة الجماعية المشتركة، بقدر ما تمثل عامل دعم و تقوية لها، حيث أنّ التأكيد على الفرد و مواهبه و حرياته و قدراته إنما يهدف إلى بناء مجتمع قوي و متحرّر، مما يؤكد انعدام التعارض بين الحريات الفردية و بين المصلحة الجماعية، حيث لا تلغي الحريات الفردية شروط حياة الفرد داخل مجتمعه و في إطار قوانين الدولة و تحت حمايتها، كما لا يقصد بالحريات الخروج عن القوانين و القيم الإنسانية المتعارف عليها، بل إعطاء الفرد أكبر قدر من الحرية الفردية حتى يتمكن من استثمار كل طاقاته و الإبداع و الخلق و الإنتاج في حدود عدم الإضرار بالغير أو المسّ بحقوقه الأساسية.

mai 20, 2008 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :