Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

أية قيم لأي مجتمع

بيت الحكمة
Bayt Al Hikma
أي قيم لأي مجتمع ؟

تنهل القيم الإنسانية بما هي منظومة من مرجعيات كبرى توجه النظرة إلى الحياة وإلى العالم، مما يسمح بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية وتقويتها وتوجيهها، سواء تعلق الأمر بالفرد أم بالجماعة.
بهذا المعنى تتأسس الركائز و الثوابت القيمية والثقافية الكبرى للمجتمعات، وتصبح النظرة إلى العلاقة بين الحاضر والماضي والمستقبل، ليس على أنها مجرد حقب تاريخية متسلسلة وإنما باعتبارها ديناميات تتموضع في الزمن التاريخي منتج القيم والهوية الاجتماعية والثقافية وتسعى إلى التماهي مع ذاتها، وهو ما يجعل المرجعيات تحدد مسار التقدم، من خلال الرجوع الدائم إلى لحظة تاريخية محددة في الماضي أو التوجه نحو مستقبل مشترك، مما يقتضي إعادة بناء هذه القيم ومساءلتها انطلاقا من رهانات الحاضر.
فالقيم، مهما كانت طبيعتها ومرجعياتها، لا تحيى إلا من خلال التفاعل الدائم والمستمر مع المجتمعات التي أنتجتها ومع المحيط الإنساني الدولي، وبصفة خاصة مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل.
وبهذا المعنى، فإنها لا تكتسب معناها ودلالاتها الثقافية والسياسية انطلاقا من كونها قيما منعزلة أو متفردة وإنما بوصفها منظومة تسعى باستمرار إلى التكامل والتماسك، تنظم نفسها وترتب أولوياتها حسب  »سلم للقيم » يميزها، بدرجات متفاوتة من الوضوح، بين قيم دنيا وأخرى فرعية، يمكن تصور الاختلاف بشأنها، وقيم عليا وشمولية توجه  »هوية » المجتمع واختياراته.
إن الطابع البنيوي المركب للقيم، لا ينفي عنها طابع الدينامية والتحول، سواء على مستوى إعادة الترتيب الدائم لأولويات سلم القيم نفسه، حيث تتحول بعض القيم العليا إلى مناطق التهميش، أو على مستوى ضمور وتقلص عناصر قيمية خاصة، حيث يفسح المجال أمام ظهور أو تضخم قيم أخرى.
من ثم، يمكن اعتبار تاريخ الأفكار والنظريات والنظم والمذاهب وتحول الأفكار والذهنيات باعتبارها سياقات مجتمعية، بمثابة تاريخ لتطور القيم وتفاعلها، كما أن أنماط القوة وأساليب تدبير السلطة تؤثر، على نحو عميق، على سلم هذه القيم، وهو ما يظهر من خلال الأزمات المجتمعية الكبرى، حيث تهتز منظومات القيم وتتداخل سلالمها وأولوياتها، مما ينتج صعوبات كبرى في تدبير العلاقات بين الأفراد والمجموعات.

وعلى مستوى المغرب مثلا، يلاحظ أن ما يطبع الفكر السياسي و النقاش المجتمعي حاليا هو هيمنة سؤال « الهوية »، في علاقته بالمشروع المستقبلي للمجتمع. وما يطبع هذا النقاش هو أن شقه السياسي يبقى في الغالب معلنا، مرتبا ومنظما و معبرا عنه في برامج وأدبيات، بينما شقه الفكري التأصيلي المتعلق بالقيم لا يزال مضمرا ومضطربا إلى حد كبير، وبعبارة أخرى فإن البعد الاستراتيجي لسؤال القيم لا يزال جنينيا. ويتجلى هذا الاضطراب في غموض المفاهيم وتداخل المصطلحات وتذبذب المواقف.
إن هذا الوضع يخلق مفارقة قوية، حيث إن الاختلاف بين البرامج السياسية والتصورات المجتمعية يختفي إلى حد كبير، مما يفقده الكثير من مصداقيته ونجاعته السياسية. إنه يفسح المجال لسؤال غير معلن ولنقاش غير مؤسس حول القيم الكبرى التي تحكم، أو يجب أن تحكم، مجال السلطة والسياسة وترتيب العلاقات الاجتماعية. فالواقع أن الحوار الثقافي السياسي العمومي، حول تشخيص واقع المجتمع ومآله، و متطلبات الانتقال الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، يعاني الكثير من الضعف والغموض.
إن اتجاهات الفاعلين حول الانتقال الديموقراطي والتنمية والمشاركة السياسية والوطن والمواطنة والأصالة و الحداثة والهوية الثقافية والاجتماعية للمغرب تطرح، من زوايا متعددة، أسئلة التعارض بين الاختيارات السياسية والمرجعيات الفكرية، ومن بينها أسئلة القيم الثاوية وراءها. وإن التساؤل حول القيم وتحديد طبيعتها وأولوياتها يبقى مشروعا باعتباره شرطا ضروريا لتأسيس الاختلاف و التعدد السياسيين وتأصيلهما، باعتبارهما المقوم الأساسي لكل مشروع ديموقراطي.
فالحوار المبنى على القبول الفكري (والسياسي) للاختلاف حول القيم والتمثلات يعتبر، في ظل الشروط الاجتماعية والسياسية الراهنة، أولوية إستراتيجية في سبيل تأصيل الديموقراطية وبلورة نسيج قيمي لمجتمع ديموقراطي يشكل الاختلاف السياسي والفكري عنصرا أساسيا من عناصر قوته وليس عاملا من عوامل ضعفه أو تفككه، كما أن تأصيل مثل هذا الحوار والإنصات لصوت المجتمع بصدده، يعتبر شرطا ضروريا لضمان مشاركة سياسية، هي الآن غائبة أو ضعيفة، خاصة بين النخب الاجتماعية والثقافية وفي أوساط الشباب، كما كشفت عن ذلك انتخابات 7 شتنبر 2007.

لقاء مكناس
عرف اللقاء الذي نظمه بيت الحكمة بمكناس خلال أيام 8 و9 و10 ماي 2008 حول قيم المجتمع الديموقراطي مناقشات هامة لامست قضايا حيوية تتصل بموضوعات القيم ومفاهيمها وحمولاتها كما تساءلت عن مدى قدرة القيم السائدة على مواكبة مسارات الانتقال الديموقراطي وعن مسؤولية النخب في سياقاته بالنظر إلى الانحسار الذي تعرفه الثقافة والمعرفة بما هما، بطبيعتهما، رافعتا القيم، على أساس استحضار اللقاء التلازم بين حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والسلم والتسامح ونبذ العنف وحكم القانون والمساواة أمامه.
وكان اللقاء ناجحا بشهادة المشاركين فيه، دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء النقاش في الموضوع. ويرجع نجاحه لنوعية المشاركين فيه ومستوى الحوار وجدية الإشكالات المثارة وتطارح التصورات، و الطريقة التي اتبعت في تنظيم اللقاء وسيره وتحديد الأهداف المتوخاة منه.
وقد شكلت مجريات اللقاء وغنى مناقشاته ونتائجه وخلاصاته حافزا على مواصلة النقاش بأشكال وصيغ متعددة ومتنوعة وعلى الحفر والتفصيل والتدقيق في موضوع القيم بما يؤصله ويرسخ مفاهيمه ويعمق مضامينه ويفتح آفاقا جديدة للتفكير والنظر فيه.
وحقق نتائج أساسية من أبرزها توفير شروط نقاش عالي المستوى بين مثقفين وفاعلين ممن قبلوا أن يتحاوروا ويتفاعلوا على أساس التعدد والاختلاف، مما جعل خلاصات اللقاء تؤكد على أن :
ـ الديموقراطية سيرورة وبناء ومساهمات متكاملة؛
ـ القيم مسؤولية مشتركة وشاملة، فردية وجماعية، ذاتية ومجتمعية؛
ـ ثمة حاجة إلى تقوية الترابط بين الحق والواجب وعلى حس المسؤولية؛
ـ من الضروري إضفاء طابع إيجابي على الحياة والسلوك؛
ـ التجسيد الحي لحرية التفكير والضمير غاية ووسيلة؛
ـ الارتقاء بحياة المجتمع وتحسين الحياة داخل المجتمع يتطلبان بالضرورة صيانة ما هو مشترك وتدعيمه وأنسنته وإغناءه بشتى المكتسبات الإنسانية والحضارية؛
ـ اتخاذ القيم هدفا ووسيلة يؤدي حتما إلى النهوض بدور المجتمع المدني وتجديد الثقافة والممارسة السياسيتين، ويستتبع بالضرورة إسهام الجامعة ومكوناتها في مسلسل تعزيز القيم الديموقراطية وقيم المواطنة الحق؛
ـ الدعوة إلى الاشتغال على القيم و دور التنشئة الاجتماعية و الأسرة والمدرسة والإعلام ووسائل الاتصال السمعي البصري من واجبات الدولة والمجتمع المدني؛
ـ هذا الاشتغال يسمح برفع الالتباس والغموض والتعتيم وملامسة بؤر التوتر، مثل المسألة الدينية وقضية اللغات واللهجات وامتلاك الفرد لذاته واستقلاليته بميوله واختياراته، ملامسة شفافة ومسؤولة، فكرية وعينية؛
من هذا المنظور وفي هذا السياق، فإن إعلاء شأن المعرفة والتعليم وتمجيد الحوار والإيثار والتعايش الديموقراطي والسلمي وتدبير الاختلاف والتمرس على الإنصات المتأني ونبذ الأساليب الإقصائية والاتهامية والإيمان بالتعددية ونسبية الحقيقة والمعرفة واحترام القانون وترجيح المصلحة العامة، تساعد على بلورة القيم الكبرى الموجهة والمؤسسة. وبصفتها كذلك، فإن قيمتها وأهميتها تكمن في أنها تحفظ كرامة الإنسان بما هو قيمة القيم.
وعلى الرغم من أهمية النتائج التي أفضى إليها لقاء مكناس، خاصة على مستوى بلورة الأسئلة الأساسية، فإن تفعيلها وتأصيلها يدفع إلى التفكير فيها مع استحضار :
1. تقرير الخمسينية وتصوراته الهامة باعتباره وثيقة مرجعية أساسية يتم استلهامها من جهة، وتعميق النقاش حول بعض خلاصاتها وتوصياته من جهة أخرى؛
2. ضرورة استمرار النقاش الجماعي والبحث في القيم بالتركيز على قيم كبرى و إعادة قراءتها بغاية إعادة بناء التفكير حولها، كحاجة ملحة من حاجيات الانتقال إلى الديموقراطة بغاية تحقيق العدالة الاجتماعية؛
3. كون المحطات المستقبلية للمشروع بمثابة ورشات للتفكير ومجالات للحوار، بين المثقفين و الباحثين و المتخصصين مع تأمين المشاركة الوازنة للفعاليات السياسة والمجتمع المدني.

أي قيم لأي مجتمع ؟
انطلاقا من الشروط الأساسية المشار إليها أعلاه، نرى بأن الحوار التأصيلي للقيم وترجمته إلى ممارسات مجتمعية وسياسية، يتطلب تعميق التفكير والعمل والتناظر، في مرحلة أولى، حول أربعة قيم أساسية كبرى :

1. العقل: طبيعته وحدوده كقيمة؟ ما المقصود بالعقلانية كموقف فكري وسلوك سياسي ومجتمعي؟ كونية العقلانية أو محليتها وخصوصياتها ، مجالات إعمال العقل، حرية التفكير، الخ.؛
2. العمل: كقيمة إنسانية، العمل بين الوسيلة والغاية، طبيعة العمل، الإخلاص في العمل، إتقان العمل، العمل والفرد والمجتمع أي علاقة؟ العمل والمردود، العمل ومقابله، العمل والمسؤوليات المتبادلة، تكافؤ الفرص، قيمة العمل اليدوي والذهني، العمل والحرية،الخ
3. المساواة: المساواة والتناسب، مبادئ السواسية والتكافؤ، المساواة أمام القانون، درجات الوعي بالمساواة، ممارسة المساواة، المساواة والتفاوت، المساواة وموضوع النوع الاجتماعي، المساواة بين الأفكار والقيم والثقافات، المساواة والاعتراف المتبادل…
4. الحرية: حرية التفكير والكينونة La liberté de penser et d’être ، حدود حرية التفكير،حرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد، الحرية والمسؤولية، الحرية بين الحق والواجب، الحرية والحق، الحرية والنوع الاجتماعي، الحرية والحق في الاختلاف المذهبي أو السلوكي، الخ.

ويمكن في فترة لاحقة أو بارتباط مع المحاور المذكورة تعميق النقاش حول قضايا من قبيل:
ـ العدل: بين التصورات والنظرية والمواقف الفكرية، العدل بين الثقافة والطبيعة والتاريخ، الإنسان العادل، المجتمع العادل، العدل والظلم، العدل والإنصاف، العدالة والديموقراطية، العدل والقانون، الخ
– العنف: العنف كممارسة اجتماعية، العنف المادي والرمزي، العنف والسياسة، العنف وحقوق الإنسان، العنف والنوع الاجتماعي، الخ.

منهجية العمل
بالنظر إلى أهمية مسألة القيم ودورها الحيوي في بناء المجتمع الديموقراطي العادل، فإن التناظر بشأنها وتوضيحها، والتحديد الإجرائي لمحتوياتها وحمولاتها، بما سوف يكون له من انعكاسات مرتقبة على تطوير وتوضيح الخطاب السياسي والمشاريع المجتمعية المختلفة، يتطلب تخطيطا محكما ومتوافقا بشأنه وإمكانات بشرية ومادية كافية.

1. مراحل المشروع
سوف يمتد هذا المشروع لمدة زمنية تبلغ ثمانية عشر (18) شهرا تتوزع كالتالي:
1.1 تكوين لجنة علمية تتكفل بالمواكبة الدائمة لمختلف مراحل المشروع يتم اختيار أعضائها من بين النخب السياسية والثقافية والجمعوية المتميزة بجديتها ورصانتها وبقدرتها على قبول الاختلاف والرأي الآخر، وسيكون من بين مهامها:
• المصادقة على ورقة المشروع بعد مناقشتها وإغنائها أو تعديلها؛
• اقتراح أرضيات أو أوراق عمل بالنسبة لكل محور من المحاور الخمسة المقترحة؛
• اقتراح أسماء المشاركين في ندوات أو مناظرات، جهوية ووطنية للتناظر حول هذه المحاور؛
• مناقشة مشروع البحث الميداني حول القيم والمصادقة على محاوره الكبرى وأدواته وتتبع إنجازه.
2.1 اختيار منسق عام للمشروع توكل إليه مهام التنسيق بين مختلف مكوناته ومحاوره، وإنجاز التقارير التركيبية لمختلف المناظرات والندوات.
3.1 تنظيم أربع ندوات، تخصص كل واحدة منها للتناظر حول قيمة من القيم الأربعة الأساسية المختارة.
4.1 نشر أعمال الندوات وتعميمها.
5.1 تهيئ مذكرة منهجية للقيام ببحث حول القيم (العقل، الحرية، المساواة، العمل، العدل، العنف…)، على أن تحدد اللجنة العلمية الفئة ذات الأولوية (مسح وطني شامل، أبحاث جهوية، بحث في القيم لدى الشباب، الخ.)
6.1 إنجاز البحث،
تقديم النتائج الأولية في اجتماع موسع يضم بالإضافة للجنة العلمية فعاليات ثقافية أخرى.
1.7 تقديم الحصيلة النهائية للمشروع وآفاق المستقبل.

2. تدبير المشروع
يقتضي إنجاز هذا المشروع وتدبيره بما يتلاءم مع أهدافه وأهميته الوطنية تأمين تسيير عقلاني ومحكم لكافة مراحله، الأمر الذي يقتضي:
• اختيار خلية تنسيق دائمة لمواكبة جميع مراحل المشروع و اختيار منسقها؛
• تحديد مقر دائم لتوطين المشروع، في إطار أنشطة بيت الحكمة؛
• تكوين سكرتارية دائمة يتوفر أعضاؤها على كفاءات تعليمية وتدبيرية عالية وتزويدها بكافة المتطلبات اللوجيستسكية والمادية وآليات الاتصال والتواصل؛
• تأمين ترجمة تحريرية وفورية ذات جودة علمية عالية أثناء فترات الإعداد للأنشطة أو تنظيم الندوات أو تعميم نتائجها.

بيت الحكمة
Bayt Al Hikma
أي قيم لأي مجتمع ؟

تنهل القيم الإنسانية بما هي منظومة من مرجعيات كبرى توجه النظرة إلى الحياة وإلى العالم، مما يسمح بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية وتقويتها وتوجيهها، سواء تعلق الأمر بالفرد أم بالجماعة.
بهذا المعنى تتأسس الركائز و الثوابت القيمية والثقافية الكبرى للمجتمعات، وتصبح النظرة إلى العلاقة بين الحاضر والماضي والمستقبل، ليس على أنها مجرد حقب تاريخية متسلسلة وإنما باعتبارها ديناميات تتموضع في الزمن التاريخي منتج القيم والهوية الاجتماعية والثقافية وتسعى إلى التماهي مع ذاتها، وهو ما يجعل المرجعيات تحدد مسار التقدم، من خلال الرجوع الدائم إلى لحظة تاريخية محددة في الماضي أو التوجه نحو مستقبل مشترك، مما يقتضي إعادة بناء هذه القيم ومساءلتها انطلاقا من رهانات الحاضر.
فالقيم، مهما كانت طبيعتها ومرجعياتها، لا تحيى إلا من خلال التفاعل الدائم والمستمر مع المجتمعات التي أنتجتها ومع المحيط الإنساني الدولي، وبصفة خاصة مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل.
وبهذا المعنى، فإنها لا تكتسب معناها ودلالاتها الثقافية والسياسية انطلاقا من كونها قيما منعزلة أو متفردة وإنما بوصفها منظومة تسعى باستمرار إلى التكامل والتماسك، تنظم نفسها وترتب أولوياتها حسب  »سلم للقيم » يميزها، بدرجات متفاوتة من الوضوح، بين قيم دنيا وأخرى فرعية، يمكن تصور الاختلاف بشأنها، وقيم عليا وشمولية توجه  »هوية » المجتمع واختياراته.
إن الطابع البنيوي المركب للقيم، لا ينفي عنها طابع الدينامية والتحول، سواء على مستوى إعادة الترتيب الدائم لأولويات سلم القيم نفسه، حيث تتحول بعض القيم العليا إلى مناطق التهميش، أو على مستوى ضمور وتقلص عناصر قيمية خاصة، حيث يفسح المجال أمام ظهور أو تضخم قيم أخرى.
من ثم، يمكن اعتبار تاريخ الأفكار والنظريات والنظم والمذاهب وتحول الأفكار والذهنيات باعتبارها سياقات مجتمعية، بمثابة تاريخ لتطور القيم وتفاعلها، كما أن أنماط القوة وأساليب تدبير السلطة تؤثر، على نحو عميق، على سلم هذه القيم، وهو ما يظهر من خلال الأزمات المجتمعية الكبرى، حيث تهتز منظومات القيم وتتداخل سلالمها وأولوياتها، مما ينتج صعوبات كبرى في تدبير العلاقات بين الأفراد والمجموعات.

وعلى مستوى المغرب مثلا، يلاحظ أن ما يطبع الفكر السياسي و النقاش المجتمعي حاليا هو هيمنة سؤال « الهوية »، في علاقته بالمشروع المستقبلي للمجتمع. وما يطبع هذا النقاش هو أن شقه السياسي يبقى في الغالب معلنا، مرتبا ومنظما و معبرا عنه في برامج وأدبيات، بينما شقه الفكري التأصيلي المتعلق بالقيم لا يزال مضمرا ومضطربا إلى حد كبير، وبعبارة أخرى فإن البعد الاستراتيجي لسؤال القيم لا يزال جنينيا. ويتجلى هذا الاضطراب في غموض المفاهيم وتداخل المصطلحات وتذبذب المواقف.
إن هذا الوضع يخلق مفارقة قوية، حيث إن الاختلاف بين البرامج السياسية والتصورات المجتمعية يختفي إلى حد كبير، مما يفقده الكثير من مصداقيته ونجاعته السياسية. إنه يفسح المجال لسؤال غير معلن ولنقاش غير مؤسس حول القيم الكبرى التي تحكم، أو يجب أن تحكم، مجال السلطة والسياسة وترتيب العلاقات الاجتماعية. فالواقع أن الحوار الثقافي السياسي العمومي، حول تشخيص واقع المجتمع ومآله، و متطلبات الانتقال الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، يعاني الكثير من الضعف والغموض.
إن اتجاهات الفاعلين حول الانتقال الديموقراطي والتنمية والمشاركة السياسية والوطن والمواطنة والأصالة و الحداثة والهوية الثقافية والاجتماعية للمغرب تطرح، من زوايا متعددة، أسئلة التعارض بين الاختيارات السياسية والمرجعيات الفكرية، ومن بينها أسئلة القيم الثاوية وراءها. وإن التساؤل حول القيم وتحديد طبيعتها وأولوياتها يبقى مشروعا باعتباره شرطا ضروريا لتأسيس الاختلاف و التعدد السياسيين وتأصيلهما، باعتبارهما المقوم الأساسي لكل مشروع ديموقراطي.
فالحوار المبنى على القبول الفكري (والسياسي) للاختلاف حول القيم والتمثلات يعتبر، في ظل الشروط الاجتماعية والسياسية الراهنة، أولوية إستراتيجية في سبيل تأصيل الديموقراطية وبلورة نسيج قيمي لمجتمع ديموقراطي يشكل الاختلاف السياسي والفكري عنصرا أساسيا من عناصر قوته وليس عاملا من عوامل ضعفه أو تفككه، كما أن تأصيل مثل هذا الحوار والإنصات لصوت المجتمع بصدده، يعتبر شرطا ضروريا لضمان مشاركة سياسية، هي الآن غائبة أو ضعيفة، خاصة بين النخب الاجتماعية والثقافية وفي أوساط الشباب، كما كشفت عن ذلك انتخابات 7 شتنبر 2007.

لقاء مكناس
عرف اللقاء الذي نظمه بيت الحكمة بمكناس خلال أيام 8 و9 و10 ماي 2008 حول قيم المجتمع الديموقراطي مناقشات هامة لامست قضايا حيوية تتصل بموضوعات القيم ومفاهيمها وحمولاتها كما تساءلت عن مدى قدرة القيم السائدة على مواكبة مسارات الانتقال الديموقراطي وعن مسؤولية النخب في سياقاته بالنظر إلى الانحسار الذي تعرفه الثقافة والمعرفة بما هما، بطبيعتهما، رافعتا القيم، على أساس استحضار اللقاء التلازم بين حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والسلم والتسامح ونبذ العنف وحكم القانون والمساواة أمامه.
وكان اللقاء ناجحا بشهادة المشاركين فيه، دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء النقاش في الموضوع. ويرجع نجاحه لنوعية المشاركين فيه ومستوى الحوار وجدية الإشكالات المثارة وتطارح التصورات، و الطريقة التي اتبعت في تنظيم اللقاء وسيره وتحديد الأهداف المتوخاة منه.
وقد شكلت مجريات اللقاء وغنى مناقشاته ونتائجه وخلاصاته حافزا على مواصلة النقاش بأشكال وصيغ متعددة ومتنوعة وعلى الحفر والتفصيل والتدقيق في موضوع القيم بما يؤصله ويرسخ مفاهيمه ويعمق مضامينه ويفتح آفاقا جديدة للتفكير والنظر فيه.
وحقق نتائج أساسية من أبرزها توفير شروط نقاش عالي المستوى بين مثقفين وفاعلين ممن قبلوا أن يتحاوروا ويتفاعلوا على أساس التعدد والاختلاف، مما جعل خلاصات اللقاء تؤكد على أن :
ـ الديموقراطية سيرورة وبناء ومساهمات متكاملة؛
ـ القيم مسؤولية مشتركة وشاملة، فردية وجماعية، ذاتية ومجتمعية؛
ـ ثمة حاجة إلى تقوية الترابط بين الحق والواجب وعلى حس المسؤولية؛
ـ من الضروري إضفاء طابع إيجابي على الحياة والسلوك؛
ـ التجسيد الحي لحرية التفكير والضمير غاية ووسيلة؛
ـ الارتقاء بحياة المجتمع وتحسين الحياة داخل المجتمع يتطلبان بالضرورة صيانة ما هو مشترك وتدعيمه وأنسنته وإغناءه بشتى المكتسبات الإنسانية والحضارية؛
ـ اتخاذ القيم هدفا ووسيلة يؤدي حتما إلى النهوض بدور المجتمع المدني وتجديد الثقافة والممارسة السياسيتين، ويستتبع بالضرورة إسهام الجامعة ومكوناتها في مسلسل تعزيز القيم الديموقراطية وقيم المواطنة الحق؛
ـ الدعوة إلى الاشتغال على القيم و دور التنشئة الاجتماعية و الأسرة والمدرسة والإعلام ووسائل الاتصال السمعي البصري من واجبات الدولة والمجتمع المدني؛
ـ هذا الاشتغال يسمح برفع الالتباس والغموض والتعتيم وملامسة بؤر التوتر، مثل المسألة الدينية وقضية اللغات واللهجات وامتلاك الفرد لذاته واستقلاليته بميوله واختياراته، ملامسة شفافة ومسؤولة، فكرية وعينية؛
من هذا المنظور وفي هذا السياق، فإن إعلاء شأن المعرفة والتعليم وتمجيد الحوار والإيثار والتعايش الديموقراطي والسلمي وتدبير الاختلاف والتمرس على الإنصات المتأني ونبذ الأساليب الإقصائية والاتهامية والإيمان بالتعددية ونسبية الحقيقة والمعرفة واحترام القانون وترجيح المصلحة العامة، تساعد على بلورة القيم الكبرى الموجهة والمؤسسة. وبصفتها كذلك، فإن قيمتها وأهميتها تكمن في أنها تحفظ كرامة الإنسان بما هو قيمة القيم.
وعلى الرغم من أهمية النتائج التي أفضى إليها لقاء مكناس، خاصة على مستوى بلورة الأسئلة الأساسية، فإن تفعيلها وتأصيلها يدفع إلى التفكير فيها مع استحضار :
1. تقرير الخمسينية وتصوراته الهامة باعتباره وثيقة مرجعية أساسية يتم استلهامها من جهة، وتعميق النقاش حول بعض خلاصاتها وتوصياته من جهة أخرى؛
2. ضرورة استمرار النقاش الجماعي والبحث في القيم بالتركيز على قيم كبرى و إعادة قراءتها بغاية إعادة بناء التفكير حولها، كحاجة ملحة من حاجيات الانتقال إلى الديموقراطة بغاية تحقيق العدالة الاجتماعية؛
3. كون المحطات المستقبلية للمشروع بمثابة ورشات للتفكير ومجالات للحوار، بين المثقفين و الباحثين و المتخصصين مع تأمين المشاركة الوازنة للفعاليات السياسة والمجتمع المدني.

أي قيم لأي مجتمع ؟
انطلاقا من الشروط الأساسية المشار إليها أعلاه، نرى بأن الحوار التأصيلي للقيم وترجمته إلى ممارسات مجتمعية وسياسية، يتطلب تعميق التفكير والعمل والتناظر، في مرحلة أولى، حول أربعة قيم أساسية كبرى :

1. العقل: طبيعته وحدوده كقيمة؟ ما المقصود بالعقلانية كموقف فكري وسلوك سياسي ومجتمعي؟ كونية العقلانية أو محليتها وخصوصياتها ، مجالات إعمال العقل، حرية التفكير، الخ.؛
2. العمل: كقيمة إنسانية، العمل بين الوسيلة والغاية، طبيعة العمل، الإخلاص في العمل، إتقان العمل، العمل والفرد والمجتمع أي علاقة؟ العمل والمردود، العمل ومقابله، العمل والمسؤوليات المتبادلة، تكافؤ الفرص، قيمة العمل اليدوي والذهني، العمل والحرية،الخ
3. المساواة: المساواة والتناسب، مبادئ السواسية والتكافؤ، المساواة أمام القانون، درجات الوعي بالمساواة، ممارسة المساواة، المساواة والتفاوت، المساواة وموضوع النوع الاجتماعي، المساواة بين الأفكار والقيم والثقافات، المساواة والاعتراف المتبادل…
4. الحرية: حرية التفكير والكينونة La liberté de penser et d’être ، حدود حرية التفكير،حرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد، الحرية والمسؤولية، الحرية بين الحق والواجب، الحرية والحق، الحرية والنوع الاجتماعي، الحرية والحق في الاختلاف المذهبي أو السلوكي، الخ.

ويمكن في فترة لاحقة أو بارتباط مع المحاور المذكورة تعميق النقاش حول قضايا من قبيل:
ـ العدل: بين التصورات والنظرية والمواقف الفكرية، العدل بين الثقافة والطبيعة والتاريخ، الإنسان العادل، المجتمع العادل، العدل والظلم، العدل والإنصاف، العدالة والديموقراطية، العدل والقانون، الخ
– العنف: العنف كممارسة اجتماعية، العنف المادي والرمزي، العنف والسياسة، العنف وحقوق الإنسان، العنف والنوع الاجتماعي، الخ.

منهجية العمل
بالنظر إلى أهمية مسألة القيم ودورها الحيوي في بناء المجتمع الديموقراطي العادل، فإن التناظر بشأنها وتوضيحها، والتحديد الإجرائي لمحتوياتها وحمولاتها، بما سوف يكون له من انعكاسات مرتقبة على تطوير وتوضيح الخطاب السياسي والمشاريع المجتمعية المختلفة، يتطلب تخطيطا محكما ومتوافقا بشأنه وإمكانات بشرية ومادية كافية.

1. مراحل المشروع
سوف يمتد هذا المشروع لمدة زمنية تبلغ ثمانية عشر (18) شهرا تتوزع كالتالي:
1.1 تكوين لجنة علمية تتكفل بالمواكبة الدائمة لمختلف مراحل المشروع يتم اختيار أعضائها من بين النخب السياسية والثقافية والجمعوية المتميزة بجديتها ورصانتها وبقدرتها على قبول الاختلاف والرأي الآخر، وسيكون من بين مهامها:
• المصادقة على ورقة المشروع بعد مناقشتها وإغنائها أو تعديلها؛
• اقتراح أرضيات أو أوراق عمل بالنسبة لكل محور من المحاور الخمسة المقترحة؛
• اقتراح أسماء المشاركين في ندوات أو مناظرات، جهوية ووطنية للتناظر حول هذه المحاور؛
• مناقشة مشروع البحث الميداني حول القيم والمصادقة على محاوره الكبرى وأدواته وتتبع إنجازه.
2.1 اختيار منسق عام للمشروع توكل إليه مهام التنسيق بين مختلف مكوناته ومحاوره، وإنجاز التقارير التركيبية لمختلف المناظرات والندوات.
3.1 تنظيم أربع ندوات، تخصص كل واحدة منها للتناظر حول قيمة من القيم الأربعة الأساسية المختارة.
4.1 نشر أعمال الندوات وتعميمها.
5.1 تهيئ مذكرة منهجية للقيام ببحث حول القيم (العقل، الحرية، المساواة، العمل، العدل، العنف…)، على أن تحدد اللجنة العلمية الفئة ذات الأولوية (مسح وطني شامل، أبحاث جهوية، بحث في القيم لدى الشباب، الخ.)
6.1 إنجاز البحث،
تقديم النتائج الأولية في اجتماع موسع يضم بالإضافة للجنة العلمية فعاليات ثقافية أخرى.
1.7 تقديم الحصيلة النهائية للمشروع وآفاق المستقبل.

2. تدبير المشروع
يقتضي إنجاز هذا المشروع وتدبيره بما يتلاءم مع أهدافه وأهميته الوطنية تأمين تسيير عقلاني ومحكم لكافة مراحله، الأمر الذي يقتضي:
• اختيار خلية تنسيق دائمة لمواكبة جميع مراحل المشروع و اختيار منسقها؛
• تحديد مقر دائم لتوطين المشروع، في إطار أنشطة بيت الحكمة؛
• تكوين سكرتارية دائمة يتوفر أعضاؤها على كفاءات تعليمية وتدبيرية عالية وتزويدها بكافة المتطلبات اللوجيستسكية والمادية وآليات الاتصال والتواصل؛
• تأمين ترجمة تحريرية وفورية ذات جودة علمية عالية أثناء فترات الإعداد للأنشطة أو تنظيم الندوات أو تعميم نتائجها.

تنهل القيم الإنسانية بما هي منظومة من مرجعيات كبرى توجه النظرة إلى الحياة وإلى العالم، مما يسمح بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية وتقويتها وتوجيهها، سواء تعلق الأمر بالفرد أم بالجماعة.
بهذا المعنى تتأسس الركائز و الثوابت القيمية والثقافية الكبرى للمجتمعات، وتصبح النظرة إلى العلاقة بين الحاضر والماضي والمستقبل، ليس على أنها مجرد حقب تاريخية متسلسلة وإنما باعتبارها ديناميات تتموضع في الزمن التاريخي منتج القيم والهوية الاجتماعية والثقافية وتسعى إلى التماهي مع ذاتها، وهو ما يجعل المرجعيات تحدد مسار التقدم، من خلال الرجوع الدائم إلى لحظة تاريخية محددة في الماضي أو التوجه نحو مستقبل مشترك، مما يقتضي إعادة بناء هذه القيم ومساءلتها انطلاقا من رهانات الحاضر.
فالقيم، مهما كانت طبيعتها ومرجعياتها، لا تحيى إلا من خلال التفاعل الدائم والمستمر مع المجتمعات التي أنتجتها ومع المحيط الإنساني الدولي، وبصفة خاصة مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل.
وبهذا المعنى، فإنها لا تكتسب معناها ودلالاتها الثقافية والسياسية انطلاقا من كونها قيما منعزلة أو متفردة وإنما بوصفها منظومة تسعى باستمرار إلى التكامل والتماسك، تنظم نفسها وترتب أولوياتها حسب  »سلم للقيم » يميزها، بدرجات متفاوتة من الوضوح، بين قيم دنيا وأخرى فرعية، يمكن تصور الاختلاف بشأنها، وقيم عليا وشمولية توجه  »هوية » المجتمع واختياراته.
إن الطابع البنيوي المركب للقيم، لا ينفي عنها طابع الدينامية والتحول، سواء على مستوى إعادة الترتيب الدائم لأولويات سلم القيم نفسه، حيث تتحول بعض القيم العليا إلى مناطق التهميش، أو على مستوى ضمور وتقلص عناصر قيمية خاصة، حيث يفسح المجال أمام ظهور أو تضخم قيم أخرى.
من ثم، يمكن اعتبار تاريخ الأفكار والنظريات والنظم والمذاهب وتحول الأفكار والذهنيات باعتبارها سياقات مجتمعية، بمثابة تاريخ لتطور القيم وتفاعلها، كما أن أنماط القوة وأساليب تدبير السلطة تؤثر، على نحو عميق، على سلم هذه القيم، وهو ما يظهر من خلال الأزمات المجتمعية الكبرى، حيث تهتز منظومات القيم وتتداخل سلالمها وأولوياتها، مما ينتج صعوبات كبرى في تدبير العلاقات بين الأفراد والمجموعات.

وعلى مستوى المغرب مثلا، يلاحظ أن ما يطبع الفكر السياسي و النقاش المجتمعي حاليا هو هيمنة سؤال « الهوية »، في علاقته بالمشروع المستقبلي للمجتمع. وما يطبع هذا النقاش هو أن شقه السياسي يبقى في الغالب معلنا، مرتبا ومنظما و معبرا عنه في برامج وأدبيات، بينما شقه الفكري التأصيلي المتعلق بالقيم لا يزال مضمرا ومضطربا إلى حد كبير، وبعبارة أخرى فإن البعد الاستراتيجي لسؤال القيم لا يزال جنينيا. ويتجلى هذا الاضطراب في غموض المفاهيم وتداخل المصطلحات وتذبذب المواقف.
إن هذا الوضع يخلق مفارقة قوية، حيث إن الاختلاف بين البرامج السياسية والتصورات المجتمعية يختفي إلى حد كبير، مما يفقده الكثير من مصداقيته ونجاعته السياسية. إنه يفسح المجال لسؤال غير معلن ولنقاش غير مؤسس حول القيم الكبرى التي تحكم، أو يجب أن تحكم، مجال السلطة والسياسة وترتيب العلاقات الاجتماعية. فالواقع أن الحوار الثقافي السياسي العمومي، حول تشخيص واقع المجتمع ومآله، و متطلبات الانتقال الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، يعاني الكثير من الضعف والغموض.
إن اتجاهات الفاعلين حول الانتقال الديموقراطي والتنمية والمشاركة السياسية والوطن والمواطنة والأصالة و الحداثة والهوية الثقافية والاجتماعية للمغرب تطرح، من زوايا متعددة، أسئلة التعارض بين الاختيارات السياسية والمرجعيات الفكرية، ومن بينها أسئلة القيم الثاوية وراءها. وإن التساؤل حول القيم وتحديد طبيعتها وأولوياتها يبقى مشروعا باعتباره شرطا ضروريا لتأسيس الاختلاف و التعدد السياسيين وتأصيلهما، باعتبارهما المقوم الأساسي لكل مشروع ديموقراطي.
فالحوار المبنى على القبول الفكري (والسياسي) للاختلاف حول القيم والتمثلات يعتبر، في ظل الشروط الاجتماعية والسياسية الراهنة، أولوية إستراتيجية في سبيل تأصيل الديموقراطية وبلورة نسيج قيمي لمجتمع ديموقراطي يشكل الاختلاف السياسي والفكري عنصرا أساسيا من عناصر قوته وليس عاملا من عوامل ضعفه أو تفككه، كما أن تأصيل مثل هذا الحوار والإنصات لصوت المجتمع بصدده، يعتبر شرطا ضروريا لضمان مشاركة سياسية، هي الآن غائبة أو ضعيفة، خاصة بين النخب الاجتماعية والثقافية وفي أوساط الشباب، كما كشفت عن ذلك انتخابات 7 شتنبر 2007.

لقاء مكناس
عرف اللقاء الذي نظمه بيت الحكمة بمكناس خلال أيام 8 و9 و10 ماي 2008 حول قيم المجتمع الديموقراطي مناقشات هامة لامست قضايا حيوية تتصل بموضوعات القيم ومفاهيمها وحمولاتها كما تساءلت عن مدى قدرة القيم السائدة على مواكبة مسارات الانتقال الديموقراطي وعن مسؤولية النخب في سياقاته بالنظر إلى الانحسار الذي تعرفه الثقافة والمعرفة بما هما، بطبيعتهما، رافعتا القيم، على أساس استحضار اللقاء التلازم بين حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والسلم والتسامح ونبذ العنف وحكم القانون والمساواة أمامه.
وكان اللقاء ناجحا بشهادة المشاركين فيه، دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء النقاش في الموضوع. ويرجع نجاحه لنوعية المشاركين فيه ومستوى الحوار وجدية الإشكالات المثارة وتطارح التصورات، و الطريقة التي اتبعت في تنظيم اللقاء وسيره وتحديد الأهداف المتوخاة منه.
وقد شكلت مجريات اللقاء وغنى مناقشاته ونتائجه وخلاصاته حافزا على مواصلة النقاش بأشكال وصيغ متعددة ومتنوعة وعلى الحفر والتفصيل والتدقيق في موضوع القيم بما يؤصله ويرسخ مفاهيمه ويعمق مضامينه ويفتح آفاقا جديدة للتفكير والنظر فيه.
وحقق نتائج أساسية من أبرزها توفير شروط نقاش عالي المستوى بين مثقفين وفاعلين ممن قبلوا أن يتحاوروا ويتفاعلوا على أساس التعدد والاختلاف، مما جعل خلاصات اللقاء تؤكد على أن :
ـ الديموقراطية سيرورة وبناء ومساهمات متكاملة؛
ـ القيم مسؤولية مشتركة وشاملة، فردية وجماعية، ذاتية ومجتمعية؛
ـ ثمة حاجة إلى تقوية الترابط بين الحق والواجب وعلى حس المسؤولية؛
ـ من الضروري إضفاء طابع إيجابي على الحياة والسلوك؛
ـ التجسيد الحي لحرية التفكير والضمير غاية ووسيلة؛
ـ الارتقاء بحياة المجتمع وتحسين الحياة داخل المجتمع يتطلبان بالضرورة صيانة ما هو مشترك وتدعيمه وأنسنته وإغناءه بشتى المكتسبات الإنسانية والحضارية؛
ـ اتخاذ القيم هدفا ووسيلة يؤدي حتما إلى النهوض بدور المجتمع المدني وتجديد الثقافة والممارسة السياسيتين، ويستتبع بالضرورة إسهام الجامعة ومكوناتها في مسلسل تعزيز القيم الديموقراطية وقيم المواطنة الحق؛
ـ الدعوة إلى الاشتغال على القيم و دور التنشئة الاجتماعية و الأسرة والمدرسة والإعلام ووسائل الاتصال السمعي البصري من واجبات الدولة والمجتمع المدني؛
ـ هذا الاشتغال يسمح برفع الالتباس والغموض والتعتيم وملامسة بؤر التوتر، مثل المسألة الدينية وقضية اللغات واللهجات وامتلاك الفرد لذاته واستقلاليته بميوله واختياراته، ملامسة شفافة ومسؤولة، فكرية وعينية؛
من هذا المنظور وفي هذا السياق، فإن إعلاء شأن المعرفة والتعليم وتمجيد الحوار والإيثار والتعايش الديموقراطي والسلمي وتدبير الاختلاف والتمرس على الإنصات المتأني ونبذ الأساليب الإقصائية والاتهامية والإيمان بالتعددية ونسبية الحقيقة والمعرفة واحترام القانون وترجيح المصلحة العامة، تساعد على بلورة القيم الكبرى الموجهة والمؤسسة. وبصفتها كذلك، فإن قيمتها وأهميتها تكمن في أنها تحفظ كرامة الإنسان بما هو قيمة القيم.
وعلى الرغم من أهمية النتائج التي أفضى إليها لقاء مكناس، خاصة على مستوى بلورة الأسئلة الأساسية، فإن تفعيلها وتأصيلها يدفع إلى التفكير فيها مع استحضار :
1. تقرير الخمسينية وتصوراته الهامة باعتباره وثيقة مرجعية أساسية يتم استلهامها من جهة، وتعميق النقاش حول بعض خلاصاتها وتوصياته من جهة أخرى؛
2. ضرورة استمرار النقاش الجماعي والبحث في القيم بالتركيز على قيم كبرى و إعادة قراءتها بغاية إعادة بناء التفكير حولها، كحاجة ملحة من حاجيات الانتقال إلى الديموقراطة بغاية تحقيق العدالة الاجتماعية؛
3. كون المحطات المستقبلية للمشروع بمثابة ورشات للتفكير ومجالات للحوار، بين المثقفين و الباحثين و المتخصصين مع تأمين المشاركة الوازنة للفعاليات السياسة والمجتمع المدني.

أي قيم لأي مجتمع ؟
انطلاقا من الشروط الأساسية المشار إليها أعلاه، نرى بأن الحوار التأصيلي للقيم وترجمته إلى ممارسات مجتمعية وسياسية، يتطلب تعميق التفكير والعمل والتناظر، في مرحلة أولى، حول أربعة قيم أساسية كبرى :

1. العقل: طبيعته وحدوده كقيمة؟ ما المقصود بالعقلانية كموقف فكري وسلوك سياسي ومجتمعي؟ كونية العقلانية أو محليتها وخصوصياتها ، مجالات إعمال العقل، حرية التفكير، الخ.؛
2. العمل: كقيمة إنسانية، العمل بين الوسيلة والغاية، طبيعة العمل، الإخلاص في العمل، إتقان العمل، العمل والفرد والمجتمع أي علاقة؟ العمل والمردود، العمل ومقابله، العمل والمسؤوليات المتبادلة، تكافؤ الفرص، قيمة العمل اليدوي والذهني، العمل والحرية،الخ
3. المساواة: المساواة والتناسب، مبادئ السواسية والتكافؤ، المساواة أمام القانون، درجات الوعي بالمساواة، ممارسة المساواة، المساواة والتفاوت، المساواة وموضوع النوع الاجتماعي، المساواة بين الأفكار والقيم والثقافات، المساواة والاعتراف المتبادل…
4. الحرية: حرية التفكير والكينونة La liberté de penser et d’être ، حدود حرية التفكير،حرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد، الحرية والمسؤولية، الحرية بين الحق والواجب، الحرية والحق، الحرية والنوع الاجتماعي، الحرية والحق في الاختلاف المذهبي أو السلوكي، الخ.

ويمكن في فترة لاحقة أو بارتباط مع المحاور المذكورة تعميق النقاش حول قضايا من قبيل:
ـ العدل: بين التصورات والنظرية والمواقف الفكرية، العدل بين الثقافة والطبيعة والتاريخ، الإنسان العادل، المجتمع العادل، العدل والظلم، العدل والإنصاف، العدالة والديموقراطية، العدل والقانون، الخ
– العنف: العنف كممارسة اجتماعية، العنف المادي والرمزي، العنف والسياسة، العنف وحقوق الإنسان، العنف والنوع الاجتماعي، الخ.

منهجية العمل
بالنظر إلى أهمية مسألة القيم ودورها الحيوي في بناء المجتمع الديموقراطي العادل، فإن التناظر بشأنها وتوضيحها، والتحديد الإجرائي لمحتوياتها وحمولاتها، بما سوف يكون له من انعكاسات مرتقبة على تطوير وتوضيح الخطاب السياسي والمشاريع المجتمعية المختلفة، يتطلب تخطيطا محكما ومتوافقا بشأنه وإمكانات بشرية ومادية كافية.

1. مراحل المشروع
سوف يمتد هذا المشروع لمدة زمنية تبلغ ثمانية عشر (18) شهرا تتوزع كالتالي:
1.1 تكوين لجنة علمية تتكفل بالمواكبة الدائمة لمختلف مراحل المشروع يتم اختيار أعضائها من بين النخب السياسية والثقافية والجمعوية المتميزة بجديتها ورصانتها وبقدرتها على قبول الاختلاف والرأي الآخر، وسيكون من بين مهامها:
• المصادقة على ورقة المشروع بعد مناقشتها وإغنائها أو تعديلها؛
• اقتراح أرضيات أو أوراق عمل بالنسبة لكل محور من المحاور الخمسة المقترحة؛
• اقتراح أسماء المشاركين في ندوات أو مناظرات، جهوية ووطنية للتناظر حول هذه المحاور؛
• مناقشة مشروع البحث الميداني حول القيم والمصادقة على محاوره الكبرى وأدواته وتتبع إنجازه.
2.1 اختيار منسق عام للمشروع توكل إليه مهام التنسيق بين مختلف مكوناته ومحاوره، وإنجاز التقارير التركيبية لمختلف المناظرات والندوات.
3.1 تنظيم أربع ندوات، تخصص كل واحدة منها للتناظر حول قيمة من القيم الأربعة الأساسية المختارة.
4.1 نشر أعمال الندوات وتعميمها.
5.1 تهيئ مذكرة منهجية للقيام ببحث حول القيم (العقل، الحرية، المساواة، العمل، العدل، العنف…)، على أن تحدد اللجنة العلمية الفئة ذات الأولوية (مسح وطني شامل، أبحاث جهوية، بحث في القيم لدى الشباب، الخ.)
6.1 إنجاز البحث،
تقديم النتائج الأولية في اجتماع موسع يضم بالإضافة للجنة العلمية فعاليات ثقافية أخرى.
1.7 تقديم الحصيلة النهائية للمشروع وآفاق المستقبل.

2. تدبير المشروع
يقتضي إنجاز هذا المشروع وتدبيره بما يتلاءم مع أهدافه وأهميته الوطنية تأمين تسيير عقلاني ومحكم لكافة مراحله، الأمر الذي يقتضي:
• اختيار خلية تنسيق دائمة لمواكبة جميع مراحل المشروع و اختيار منسقها؛
• تحديد مقر دائم لتوطين المشروع، في إطار أنشطة بيت الحكمة؛
• تكوين سكرتارية دائمة يتوفر أعضاؤها على كفاءات تعليمية وتدبيرية عالية وتزويدها بكافة المتطلبات اللوجيستسكية والمادية وآليات الاتصال والتواصل؛
• تأمين ترجمة تحريرية وفورية ذات جودة علمية عالية أثناء فترات الإعداد للأنشطة أو تنظيم الندوات أو تعميم نتائجها.

avril 10, 2009 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :