Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

تقرير تركيبي عن اللقاء الذي نظمه بيت الحكمة بتاريخ 25 يونيو 2009

تقرير تركيبي عن اللقاء الذي نظمه بيت الحكمة بتاريخ 25 يونيو 2009

حول

قيمة الحرية

 

الحرية، هذا هو موضوع اللقاء الذي نظمه بيت الحكمة يوم الخميس 25 يونيو 2009 بمقر المدرسة الوطنية للإدارة. لقاء أراد له بيت الحكمة وأصدقاؤه وضيوفه أن يكون امتدادا وتوسيعا وتعميقا لنقاش بدأ منذ أزيد من سنة حول موضوع القيم، تكمن ميزته الأساسية في أنه كلما وسع وأغنى ما يحققه من تراكم على هذا الصعيد كلما فتح آفاقا جديدة للتفكير والتدبر والعمل، وكلما عمق النظر في واقع القيم وحلله وقلبه على شتى أوجهه كلما أكد الحاجة إلى القيم وإلى التفاعل والتبادل الجادين بشأنها.

سير اللقاء الأستاذ امحيفظ، وافتتحته خديجة الرويسي بكلمة ذكرت فيها بالسياق الذي يندرج فيه والغايات المتوخاة منه ومن اللقاءات التي تجري مجراه، ضمن البرنامج الذي أخذ بيت الحكمة على عاتقه السهر على تنفيذه وتفعيله في موضوع القيم ورصدها ومناقشتها والنهوض بها وتجديدها.

قدم الأرضية الفكرية للقاء الأستاذ محمد الدكالي، فأوضح في البداية أن الموضوع سهل ممتنع، وأنه يقترن في ذهنه ببعض الأفكار الثابتة التي نجدها عند بعض المفكرين أمثال ديكارت  Descartes، والتي تربط مفهوم الحرية بمفاهيم الجدية والصرامة والمثابرة أو ترى أن الحرية لا تتخذ شكلا واحدا بل أشكالا متعددة. ولإدراك تعدد هذه الأشكال يمكن أن نستحضر صورة الممرض الذي يعمل ليلا في عيادة لا يراقبها أحد، حيث يكون بوسعه أن يخلد إلى النوم ويترك المرضى لمصيرهم « ما داموا مرضى أصلا »، أو على العكس من ذلك أن يحرم نفسه من نعمة النوم ويرعاهم ويضع نفسه رهن إشارتهم… إن الحرية ترتبط بفكرة المجهود كما بالرغبة في الحرية وفي ممارستها. فالحرية، بهذا المعنى،  ليست سوى إرادة الحرية، إرادة ثابتة ومتكررة. إنها تستمد أهميتها من كونها ليست فتحا أو رجاء، وليست بالضرورة ما يسير نحوه الناس.

لقد قال جان جاك روسو  Jean-Jacques Rousseauإنه يقرأ كتب القانون والأخلاق وغيرها وينصت إلى المثقفين ومن يلفون لفهم دون أن يشفي غليله، لكنه يجد العزاء لكونه إنسانا في شعوره بالمواطنة. فالمواطنة عزاء وخروج من حالة الاقتتال، وبلوغها يشكل أصلا وفي حد ذاته نوعا من الحرية. إنها تجسيد لحالة الخروج من تاريخ طويل من الاضطهاد والفتك والتقتيل، وللنزوع إلى التخلص من تاريخ ذاتي بات من الصعب تحمله والتعايش معه، فهي بنت الحضارة التي لا يتجاوز عمرها خمسين ألف عام على أبعد تقدير، بينما يقدر عمر الإنسان فوق الأرض بملايين السنين. فالمرء يتجاوز تاريخه لأنه أراد، لأنه أراد بحرية. والحق أن روسو كان مهووسا بفكرة الحرية هذه، إلى حد أنه ذهب، في الكتاب الرابع من العقد الاجتماعي، إلى أن التخلي عن الحرية ليس له أي عذر أو مبرر، فهو تخل عن الإنسانية، عن الصفة الإنسانية، تخل عن كل شيء، عن جميع واجبات الإنسانية وحقوقها. إن مثل هذا التخلي يتنافى مع الطبيعة الإنسانية. فالإنسانية هي البنت الشرعية للحرية وهي التي تؤسس لها. وكما يقول سيغموند فرويد S. Freud ، فقد كان لابد للإنسان أن يتحرر من طبيعته الخاصة بوصفه قًَتالا في الأصل.

والواقع أنه في جميع الإرادات، الحسنة منها والسيئة، ثمة شيء من الحرية. إنها اعتبار وجودي. فمن هذا المنطلق، أشار سبينوزا Spinoza   في رسالته في اللاهوت والسياسة إلى أن فكرة الحرية تقترن بفكرة الحق الطبيعي. إنها تعبير عن الاستعمال الحر للعقل، وعن الحكم على كل شيء وتقييمه وقياسه بميزان العقل. من ثمة، فإن التخلي الكامل عن الحرية أو تفويتها أمران لا يمكن تصورهما. لقد كان سبينوزا خصما لدودا للعبودية. وكان ديكارت يجازف بالقول: أعتقد أو أظن أو أرى… وهو قول لا يستبعد احتمال الخطأ، وإن كان يمر عبره الاستعمال الحر للعقل. إن هذا الاستعمال في حقيقته امتحان للقوة، وبعبارة أدق، امتحان للقوة ضد الذات. وما دامت الإكراهات والضغوط لا تأتي دائما من الخارج، وإنما ترتع، في غالب الأحيان، في أنفسنا وتتجسد، مثلا لا حصرا،  في الأحكام المسبقة والجاهزة وما إليها، فإن مغالبة الذات تكون أساسية من هذا المنظور.

    وبالرغم من تصورات الحرية هذه، فإن هنالك احتياطات لابد من اتخاذها. ففكرة الحرية غالبا ما تقترن بشيء طوباوي أو مثالي أو غامض وغير محدد وغالبا ما يضفى عليها طابع من التجريد. بيد أن الحرية المجردة كذبة. الحرية، كما قال بنجامين كونستانBenjamin Constant ، شيء دقيق فوق العادة أو متناهي الدقة.

فلو أخذنا مواطنين من أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا وسألناهم عن تصورهم للحرية لقالوا إن الحرية بالنسبة لكل واحد هي حقه، في إطار القانون، في التعبير عن رأيه وفي اختيار عمله وفي ممارسة هذا العمل وفي الملكية والتنقل وما إلى ذلك دونما حاجة إلى تقديم تفسيرات بهذا الخصوص. إن الأمر يتعلق بحقوق محددة وليس بحقوق مجردة. إنها حقوق تتحدد انطلاقا مما عداها أي مما ليس بحرية.  ففي حوار على لسان الفيلسوف الرواقي إبيكتيت Epictète  ورد ما معناه: ـ أن يكون المرء حرا معناه أن يفعل ما يريد. ـ ويحك، ألا تعلم أنه لا يمكنك، بحكم طبيعتك نفسها، أن تفعل كل ما تريد.

إن الحياة مفعمة بالتنوع والتعدد والتناقض. وممارساتنا وردود فعلنا يفترض أنها حرة، غير أنها، في الواقع، متعددة وغير متوقعة ولا يمكن التحكم فيها. إن تنوعها صاخب ومضطرب ولايمكن بالتالي التكهن بعواقبه.

وعندما حلل جان ريفيرو Jean Rivero، في كتابه عن الحريات العامة إعلاني 1789 و 1793 لاحظ أن التمييز بين الإنسان والمواطن يقابله تصوران مختلفان للحرية. الحرية المدنية والحرية السياسية. ففي المدينة اليونانية، كانت المشاركة في القرار السياسي التعبير الوحيد عن الحرية، فكانت القواعد التي تصاغ بكيفية ديمقراطية، بما فيها القواعد التي تحرم الناس من حريتهم، تدخل في كافة تفاصيل الحياة والوجود اليوميين.

إن مسألة الحرية لا تعني سوى الفرد. معناه أن الحرية الخاصة لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت مشتركة، فإذا أبحت لنفسي أن ألبس ما أريد وأن أنصت للموسيقى التي أريد… لابد أن أقبل ذلك من الآخر. فالحرية، بهذا المعنى، معامل مشترك وممارسة مشتركة. أما إذا اخترت طوعا أن أحرم نفسي من أمور معينة (مثل مشاهدة التلفزيون…)، فإن هذا الاختيار، وإن كان درجة متقدمة من درجات ممارسة الحرية الفردية، ينبغي أن يقف عند حدودي الشخصية.

 

 

بعد هذا العرض الثري حول الحرية بما هي فكرة وقيمة وحول أبعادها الفلسفية والاجتماعية والسيكولوجية وحول التصورات التي تتجاذب مفهومها، جاءت تدخلات عدد من الفعاليات الحاضرة لتغني الأرضية وتذهب بالتساؤلات المثارة من خلالها وبوحي منها إلى مداها الأقصى، انطلاقا من الواقع واعتبارا له.

كانت أول ملاحظة تم تسجيلها هي أن استعراض تاريخ مفهوم الحرية وتطوره في أوربا هام، ولكنه لا يغني عن التساؤل عن علاقتنا نحن بهذا المفهوم. فما هي مكانة أو « قيمة » الحرية في تراثنا؟ لقد ظل هذا المفهوم غريبا عنا، فلا غرابة إذن أن يرى الناس في الدولة نقيض الحرية، بيد أن ما ينبغي أن يكون هو العكس تماما. فالواقع أن مفهوم الحرية يطرح علاقة التخارج بين الفرد والدولة. وقد سار في منحى هذا التساؤل، مع الإحالة بين الفينة والأخرى على مؤلف المفكر عبد الله العروي حول مفهوم الحرية، عدد من المتدخلين. فعلاقتنا بالحرية كانت تاريخيا علاقة عسيرة وملتبسة. ومن المفارقات أنها عندما تحضر في اللغة تغيب عن الواقع والعكس بالعكس.

وأكد بعض المتدخلين على أهمية الحرية بالنسبة لنا في هذه المرحلة التاريخية وعلى ضرورة استبطانها باعتبارها قيمة وتحويلها إلى فعل وممارسة أي إلى مكون أساسي من مكونات مشروعنا المجتمعي. ومنهم من أشار، تدعيما لموقفه، إلى التلازم الذي أقامته الحركة الوطنية في أدبياتها، بين الحرية والاستقلال، ليتساءل عن موقع الحرية في المشاريع السياسية والفكرية والثقافية الكبرى اليوم، وعما إذا كان مفهومها يتأسس على العقيدة أم على الرأي؟

إن الشرط الأساس للحرية هو المواطنة. وحرية الواحد إما أن تقوم على احترام حرية الآخر وحقه، أو تستحيل فوضى. فالحرية مسؤولية مشتركة ومتبادلة تعبر عن نفسها من خلال المواقف والسلوكات والأفعال ردود الفعل. إن الحرية بطبيعتها لا يمكن أن تتبلور بشكل ملموس إلا إذا صرفت من قبل كل فرد انطلاقا من سلوكاته الفردية، مما يؤول إلى ضرورة تبيئة النقاش حول الحرية عن طريق الربط بين الفكر والواقع، وتتبع الحرية في شتى تلاوينها وعلاقاتها مع التاريخ والعلمانية، مع ملاحظة المسار التاريخي والفكري الذي جعل منها مكونا جوهريا للدولة الحديثة كما نظر لها هيغل. فالواقع أن تاريخ العالم لا يعدو أن يكون سوى تاريخ الوعي بالحرية.

وبما أن الحرية شرط لازدهار الكائن البشري وانطلاقه وتألقه، فإن النقاش حولها ينبغي ألا يفتر أو يختزل أو ينتهي أبدا. ينبغي لهذا النقاش أن يسعى إلى بناء حقيقة مشتركة بين الجميع وأن يتوسع ويضم باحثين من مختلف التخصصات.

ويكتسي البحث الأنثوبولوجي أهمية خاصة على هذا الصعيد من حيث كونه يمكن من استقصاء أسباب عدم استبطان القيم الحداثية، ومنها قيمة الحرية بالشكل المطلوب وتفكيك النسق السوسيوثقافي بما يتيح تشخيص العوائق الحقيقية أمام هذا الاستبطان الضروري.

إنه لأمر جدير بالتحليل والتأمل أن نلاحظ أن الحرية عندنا لا توجد سوى على مستوى الخطاب، بينما هي في الغرب مقترنة بالكينونة ومجسدة فيها. فالإنسان في الغرب عندما يمارس حريته أو يعبر عنها إنما يجسد أفكارا، بينما تمتزج الحرية عندنا امتزاجا هجينا بالأنوية والتمركز حول الذات، حيث الذهاب بدون رجوع والأخذ بدون عطاء. إنها تتحول بذلك إلى حرية استبداد بالرأي وبالآخر وحرية تدخل في شؤون الغير. بيد أن الحرية أخذ وعطاء ومعاملة بالمثل. ومن المفارقات، في هذا الباب أن كلمة الأمازيغ (ويشكلون معظم ساكنة البلاد) تعني « الإنسان الحر ».

إن قضية الحرية التي تبدو معقدة من هذا المنظور، تغدو أكثر تعقيدا إذا نحن استحضرنا علاقتها المتنامية يوما عن يوم بالحقوق والحريات الإثنية والطائفية والفئوية. إنها تطرح بإلحاح مسألة العلاقة بين النخب والمجتمع، العلاقة بين الخاص والعام أو المشترك. وتلعب التربية دورا هاما في هذا الباب مادام الفرد هو الذي يصنع الدولة الحديثة. فكيف لفرد لا ينعم بالحق في الحرية المتساوية وفي الحب والتفتح العاطفي وفي التوازن أن يصنع هذه الدولة؟

وقد وزعت على المشاركين في اللقاء وثائق تتمثل في الأرضية التقديمية للقاء يوم 10 ماي 2009 حول موضوع: أي قيم لأي مجتمع؟ وتقرير عنه، وكلمة رئيسة بيت الحكمة وورقة حول الحرية من توقيع الأستاذ محمد الدكالي تناولت مختلف الخطابات والتمثلات حول الحرية ومفارقاتها وتساءلت عن طبيعة علاقتنا بها وعن مدى ترسخها في قناعاتنا ومدى استعدادنا لترجمتها في أقوالنا وأفعالنا. 

juillet 6, 2009 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :