Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

بيت الحكمة ينظم مائدة مستديرة حول موضوع المساواة يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2009 على الساعة الخامسة زوالا بالمكتبة الوطنية للمملكة بدعم مؤسسة فردريش أبرت والتي سيؤطرها الأستاذ أحمد عصيد

المساواة

أرضية اللقاء

ارتبط الإنتقال من العصور الوسيطة إلى الأزمنة الحديثة ببروز فكرة المساواة، حيث تناول الفكر الإجتماعي و السياسي لهذه المرحلة بشكل كبير أسباب اللامساواة بين البشر، و بحث في إمكانيات الرقي بالنوع الإنساني عبر إقامة الدولة على أسس عقلانية تضع الإنسان في مركز اهتمامها.

و قد تم خلال هذا الإنتقال التحول من تبرير التفاوت باعتماد مفهوم الإستحقاق في المجتمع القديم (أي لكل حسب ما يستحق) و من مفهوم الحاجة ( أي لكل حسب ما يحتاجه)  إلى  مفاهيم  العدالة و الكرامة التي تعتبر أن البشر سواسية و أن « لكل نفس الشيء ».

و تحددت المساواة  في أدبيات فلاسفة القرن الثامن عشر بأنها المبدأ الذي يتم بموجبه معاملة الناس بنفس الشكل، بحيث يمكنهم ذلك من الحفاظ على كرامتهم الإنسانية، و من التمتع بنفس الحقوق، و القيام بنفس الواجبات. و هي بذلك مبدأ يتعارض مع الطبيعة الإنسانية الفطرية التي تقوم على إشباع الحاجات الغريزية الأساسية، و التي منها الأنانية و حب التملك و السيطرة ..

و بهذا يكون مفهوم المساواة قد تأسس على مفهوم الكرامة، الذي يعني كون الإنسان غاية في ذاته و ليس وسيلة لقضاء حاجات أخرى، مما يستلزم احترامه و معاملة جميع بني جنسه بنفس المعاملة. و قد تم بهذا الصدد التمييز بين المساواة والهوية، حيث تقوم المساواة على الإنتماء إلى النوع الإنساني بيولوجيا، و على معنى الكرامة أخلاقيا، و ليس على ما يختلف فيه بنو البشر من تفاصيل أخرى عديدة .

و قد انبثق عن هذا المعنى الأخلاقي و الفلسفي للمساواة مفهومها القانوني، الذي يتمثل في ضرورة خضوع جميع الناس داخل مجتمع محدّد و على نفس المنوال لسلطة القانون الذي يساوي بينهم جميعا بدون اعتبار لطبقاتهم أو تكوينهم البيولوجي أو انتماءاتهم العقائدية أو العرقية، و ذلك ضدا على أي نظام للإمتيازات الإجتماعية يمكن أن يسمح بأفضلية أحد ما على غيره.

و من الطبيعي أن المساواة أمام القانون سيتولد عنها حتما التكافؤ في الفرص و الوسائل و كذا التساوي في شروط العيش و الوجود الإجتماعي و التوزيع العادل للثروة و للموارد المالية، مما يضمن الكرامة لكل واحد، و هذه هي المساواة بمفهومها الإجتماعي.

و قد تولدت الكثير من الفلسفات و النزعات الفكرية و السياسية عن البحث في فكرة المساواة خلال القرن التاسع عشر، كما تأسس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و ما تمخض عنه من اتفاقيات و عهود خلال القرن العشرين، على المفهوم الكوني للمساواة الذي تبلور خلال القرنين السابقين، و أصبحت البشرية ملزمة بالسعي عبر كل مجتمعات العالم إلى تحقيق هذا المبدأ الذي تحول إلى انشغال رئيسي ملحّ، يشكل عنوان دينامية الإنسان في شتى المجالات، دون أن يتوقف رغم ذلك عن إثارة المفارقات و توليد الأسئلة الإشكالية، حيث بدا أن « السعي إلى المساواة و المطالبة بها أيسر بكثير من تحقيقها ». فبين تكريس الحرية (بالمعنى الليبرالي) الذي يتولد عنه المزيد من التفاوت بين البشر، و بين تحقيق المساواة القسرية (بالمعنى الإشتراكي) عبر إقامة التوتاليتارية السالبة للحريات، احتاجت البشرية إلى أزيد من قرن و نصف من الزمان، لكي تبحث عن حلول للمعادلة الصعبة التي تقيم العدالة و الحرية على أساس مساواة حقيقية بين البشر.

و من جانب آخر فقد تزامن مع تطور البشرية نحو النموذج المعولم للحقوق و القيم، تزايد بروز « الخصوصي » المرتبط بالتفاصيل الحضارية و العقائدية و الإثنية للشعوب و المجموعات، حيث أدّى تفكك النموذج التقليدي للدولة الوطنية المركزية إلى بروز الفوارق و نزعات التميز التي سرعان ما تحولت إلى خطابات هوية تطالب في إطار الكوني بحقوق و قيم خصوصية، مما جعل مفهوم المساواة ينتقل من المبدإ العام ، مبدإ المساواة بين جميع البشر، إلى المبدإ الخاص الذي يجسد المساواة في سياق سيوسيو سياسي و جغرافي محدد ، في علاقة بحقوق المجموعات و الأفراد داخل هذا البلد أو ذاك، مما سمح ببروز إشكاليات ذات علاقة بالإرث الرمزي كالأديان و اللغات و الثقافات، و أدّى إلى ظهور أشكال من الممانعة ضد المفهوم الكوني للمساواة، و الذي قام أساسا على تغييب الفوارق البيولوجية و السمات المادية (العرق ـ اللون) لصالح وحدة النوع البشري، و على تغييب الإختلافات الهوياتية لصالح مبدإ الكرامة الإنسانية.

و إذا كانت المطالب الحقوقية و اللغوية و الثقافية في المساواة قد انتهت إلى أن تجد لنفسها أساسا في المفهوم الكوني للمساواة، بعد صدور الوثائق الأممية التفصيلية في هذا الباب، بضمان المساواة بين أعضاء المجتمع الواحد عبر الإعتراف بـ »التنوع الثقافي » و اللغوي و مأسسته و تمكينه من الإستفادة من الموارد المادية المشتركة، فإنّ الخصوصية الدينة قد ظلت مثار نقاش و جدل يضع الخصوصي في مقابل الكوني و ضدّا عنه، حيث بدا ـ لدى العديد من البلدان الإسلامية بصفة خاصة ـ بأن المساواة تطرح مشكلة المرجعية بين المقدس و المدني الوضعي، مما حال دون سمو المرجعية الكونية على التشريعات المحلية، و خلق تصادما فكريا و سياسيا و اجتماعيا داخل المجتمعات الإسلامية اكتسى أقصى درجات الحدّة بظهور حركات الإسلام السياسي، و تزايد خطابات العنف باسم الدين و ضدّ القيمة الكونية للمساواة، و هو ما يعني أنّ البلدان الإسلامية تشهد نفس الصراع تقريبا الذي شهدته البلدان الأوروبية إبان ظهور فكر الأنوار و تبلور مفاهيم حقوق الإنسان و المواطن، الصراع بين القيم الإنسانية وبين التقاليد المحروسة تحت وصاية دينية، مع وجود فوارق جوهرية في السياق و في طبيعة الإشكاليات المطروحة.

و تختلف البلدان الإسلامية في درجات استعدادها لقبول فكرة المساواة كما هي متعارف عليها عالميا ، و بالنسبة للمغرب بدا واضحا منذ الإستقلال وجود سعي لدى السلطة إلى التعبير عن إرادة سياسية في الإنخراط في العصر عبر توقيع الدولة المغربية على مختلف مرجعيات حقوق الإنسان و المصادقة عليها، غير أنه بالمقابل تمّ تسجيل العديد من العوائق على مستوى الممارسة و التطبيق، يرجع بعضها إلى وجود ازدواجية المرجعية قانون / شريعة، مما يؤدّي إلى التحفظ على بعض بنود المرجعية الدولية في موضوع المساواة، و خاصة منها ما يتعلق بالمرأة و الطفل، كما ترجع العوائق الأخرى إلى طبيعة الذهنية السائدة في المجتمع المغربي، و التي تمّ تكريسها من طرف السياسة المتبعة في التعليم و الإعلام، و التي عمقت بسبب ازدواجيتها الهوة بين القيم الكونية و التقليدية، و لم تسمح بالملاءمة المطلوبة بين قيمة المساواة و بين الحاجات المتجدّدة للمجتمع المغربي .

كما ظلت العديد من مظاهر اللامساواة متداولة في المجتمع المغربي دون أن تكون موضوع تفكير أو نقاش ، فخلافا لموضوع التمييز ضد المرأة أو التمييز بسبب اللغة اللذان حظيا باهتمام متزايد،  ظلت العديد من مظاهر التمييز بسبب اللون أو الجهة أو العرق متفشية و مسكوتا عنها، كما ظلت الكتب المدرسية المقررة في النظام التربوي المغربي حافلة بالعديد من القيم المناقضة للمساواة، علاوة على وجود ارتباك كبير و تردد بين قيمة المساواة الحديثة و قيمة المساواة كما هي في التراث الفقهي الإسلامي، مما يفسَّر بعدم وجود مجهود حقيقي للتأصيل للقيم الكونية عبر المدرسة المغربية.

و مهما يكن من أمر فقد أصبح اليوم واضحا أكثر من أي وقت مضى، بأن التطور الذي عرفته البشرية قد تمّ بموازاة مع بروز و تحقق فكرة المساواة، و بأنّ الوعي الإجتماعي و الشعور بالواجب إنما يتأسّسان على مطلب المساواة الذي أصبح في المجتمعات العصرية يقوم على احترام الفرد للآخرين من حيث هم أعضاء يقومون بنفس الجهد الذي يقوم به من أجل قمع الرغبة الأنانية و الخضوع للمشترك العام. كما اتضح بأنّ العمل و الإنتاج و السلم الإجتماعي و الإستقرار السياسي لا يمكن أن تتحقق جميعها بشكل دائم بدون ضمان قدر من المساواة المادية و المعنوية، سواء في المرجعية القانونية أو في الفرص و الممارسات. و هو ما يوضح بشكل كبير قيمة قولة مونتسكيو الشهيرة: « إن حب الديمقراطية هو نفسه حب المساواة ».

octobre 12, 2009 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :