Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

التقرير التركـيبي لنــدوة  » قيمة العدل « 

تحرير: محمد المحيفيظ

استئنافا لسلسلة الندوات حول القيم، التي درج على تنظيمها  » بيت الحكمة « ، تم يوم الخميس 17 يونيو 2010، بالمكتبة الوطنية، عقد ندوة فكرية حول  » قيمة العدل « ، ترأس أشغالها ذ. أحمد عصيد و أطرها ذ. مصطفى الناوي.

و قد افتتح ذ. عصيد الندوة بالتذكير باستراتيجية  » بيت الحكمة  » و الغايات التي يتوخاها من تنظيم هذه الندوات و المتمثلة في تدقيق المعرفة و تعميق الحوار على أسس معرفية في أفق الخروج بخلاصات، سيعمل  » بيت الحكمة » على إيجاد القنوات الملائمة ل » ترويجها « .

و في كلمتها الافتتاحية، ذكرت ذ. خديجة الرويسي، رئيسة  » بيت الحكمة  » بمبررات الاهتمام الذي يوليه بيت الحكمة لموضوع القيم، باعتبارها هي ما يؤسس المرجعيات الكبرى للمجتمعات، و بالتالي فهي ما يحدد المستقبل المشترك لهذه المجتمعات.

و بالنسبة لقيمة العدل، موضوع اللقاء الحالي، لاحظت ذ. الرويسي أنه إذا كانت العصور السابقة قد عرفت اهتماما نسبيا بموضوعة العدل، فإننا نلاحظ بالمقابل في العصر الحاضر تراجع هذا الاهتمام. كما نبهت إلى أنه في الوقت الذي تعرف فيه بلادنا أوراشا متعددة، فإن ورش إصلاح القضاء لا زال متعثرا، و الحال أن فتح حوار حول العدل من شأنه حتما تعزيز سيرورة الانتقال الديمقراطي.

و ختمت كلمتها بالتذكير بالبرنامج المقبل لبيت الحكمة، و المتمثل في تنظيم ندوة حول قيمة العمل بالبيضاء، و تنظيم ندوة حول قيمة  » التضامن » بسيدي سليمان، و كذلك تنظيم الجامعة الخريفية.

أما مداخلة ذ. الناوي، فقد استهلها بالتأكيد على أن موضوع العدل ـ بخلاف ما يبدو عليه ظاهريا ـ هو موضوع شائك و دقيق، بما هو موضوع إشكالي بطبيعته. و اقترح أن يتناول هذا الموضوع من خلال سبعة قضايا:

ـ  تتمثل القضية الأولى في أنه لا يمكن التفكير في قيمة العدل معزولة عن نقيضها، الظلم، و هذا يتعلق بالإحساس أو  » الشعور بالظلم » بما هو إحساس باختلال النظام، و هي تجربة تفرض نفسها على لا شعورنا و تحدد وجداننا ( نيتشه : جنيالوجيا الأخلاق ). العدل بهذا المعنى هو في الحقيقة سعي و توق إلى العدل و هروب من الظلم، فتطلعنا إلى العدل يحفزه ما نكتسبه.

ـ القضية الثانية يجملها التساؤل حول ما إذا كان العدل معيارا فرديا، أم أن هناك معيارا كونيا للعدل؟ و هذا يرتبط  بإشكالية نسبية أو إطلاقية العدل؟ و اعتمادا على بعض الاجتهادات الفكرية ( هانز كيلسن ـ Hans Kelsen في كتابه: What is justice ?)، عرض ذ. الناوي عينة عن الأطروحات النظرية التي تشكك في إمكانية وضع نموذج موحد، أو اعتماد صيغة عدالة كونية مجردة. غير أن هذا التشكيك لا ينفي وجود عدالة عامة تقوم على التسامح، أي على الحرية. وهي بهذا المعنى ، و في ارتباط بعقلانية الكائن البشري لا يمكن أن توجد إلا في نظام ديمقراطي.

كما استشهد المحاضر بنظرية أفلاطون حول العدل ـ كما تضمنتها محاورة الجمهوريةـ و التي تعتبر العدل فضيلة من الفضائل الأربع الكبرى، إلى جانب الحكمة و الشجاعة و رباطة الجأش، و إن كان العدل يعتبر شرط كل هذه الفضائل.

و استشهد أخيرا بجان جاك روسو، الذي يعتبر في كتابه  » إميل  » ( الكتاب الرابع) أن العدل و الطيبوبة مشاعر حقيقية لروح ينيرها العقل، و كأن هناك التقاء بين العقل و العدل. و يضيف أنه بالنسبة لروسو، فإن مبدأ العدل يتمثل في  » حب الآخرين  » بما هو حب للذات، يربط الإنسان بالآخرين.

و بالنسبة للقضية الثالثة، التي عنونها المحاضر ب: العدل خطابا و العدل عنفا، فقد عمد فيها المحاضر إلى تدقيق ما يميز العدل عن الأخلاق و المتمثل بالضبط في قدرة العدل على الترخيص بالعقاب الجسدي، فلا يمكن تصور العدل باعتباره مجرد خطاب دون عنف. فكما قال كانط، فإن الجزاء هو الذي يحمي الحرية، طالما أن الجريمة تعوق حرية الآخرين. و يحدد فيلسوف آخر ( بول ريكور ) الشروط المفروض توفرها كي يتجسد العدل، و هي : وجود قوانين مكتوبة، و وجود إطار مؤسساتي ( المحاكم )، و توفر أشخاص مؤهلين و مستقلين، و أخيرا الجانب المسطري و الشكلي، أو ما يصطلح عليه شروط المحاكمة العادلة.

العدل إذن هو عنف منظم، و حين نتأمل العلاقة بين العدل كخطاب و العدل كعنف، فإننا نلاحظ أن صدور الحكم القضائي هو نهاية عنف و بداية عنف آخر.

و كخلاصة يمكن القول أنه لا غنى للعدالة عن القوة، و أن القوة تحتاج للعدالة لكي تكون مشروعة. و بذلك يكون العدل كعنف مؤسساتي هو الرديف الملازم للدولة. ثم ختم ذ. الناوي هذا الجانب من عرضه متسائلا: هل يمكن ترتيبا على ذلك اعتبار العدل  » فضيلة مسلحة « ، تبعث على الرغبة و الخوف.

و بالنسبة للقضية الرابعة فقد نبه فيها المحاضر، مستشهدا بما تورده كتب التراث ( الحوار بين الحجاج و أبي صالح ، ثم حالة أبو حنيفة النعمان )، إلى تلك الحالة النفسية المتمثلة في تهيب المرء من أن لا يكون عادلا، نظرا للشعور بدقتها و حساسيتها و صعوبة  إن لم نقل استحالة تحقيق العدل.

ثم انتقل المحاضر في إطار القضية الخامسة إلى الحديث عن العلاقة بين العدل و استقرار المجتمع. و كما يمكن أن نستشف من تواتر الحديث راهنا عن الأمن القانوني و الأمن القضائي، فالعدل يوفر نوعا من الطمأنينة. و إذا كان يصح اعتبار العدل شرطا أساسيا للأمن القضائي، فإنه مع ذلك ليس شرطا كافيا. أليست هذه هي العبرة التي يمكن استخلاصها من الخليفة عمر مع الهرمزان كما تناقلتها كتب التراث؟  فإذا كان هذا الأخير قد امتدح الخليفة عمر قائلا:  » عدلت فنمت  » ، فإن المفارقة هي أن عمر مات مغتالا، كما أن أبي عبد الله ابن عمر قد أمر بقتل ثلاثة أشخاص قصاصا لمقتل أبيه كان الهرمزان من بينهم !

و خصص المحاضر القضية السادسة لعرض الاجتهاد المتميز في مجال الفلسفة السياسية، لنظرية الفيلسوف الأمريكي  » جون راولس  » و المتضمنة في كتابه  » نظرية العدالة « .

تكمن قيمة نظرية راولس ـ حسب المحاضر ـ في كونها تمثل جسرا بين مدرستين: نظرية العدل الاجتماعي و المدرسة النفعية. فراولس لا يطرح قضية العدالة كقضية مجردة، بل غايته تحديد طبيعة المجتمع العادل، و من أجل ذلك يتوسل ببعض المفاهيم عرض المحاضر من بينها  » حالة الوضعية المثالية  » و مفهوم  » حجاب الجهل »، كل ذلك من أجل الخلوص إلى وضعية مثالية هي الوضعية التي تتحقق فيها الحرية و تساوي الفرص. و تنظيم التفاوتات و استعمالها لفائدة الأشخاص الأكثر حرمانا.

و في الأخير، ختم المحاضر عرضه بالقضية السابعة، و التي خصصها لواقع العدل بالمغرب و صعوبات الإصلاح. و قد شخص المحاضر عدة سلبيات تسم واقع العدل بالمغرب و تجعله مستعصيا على الإصلاح بل تجعله هو ذاته عائقا أمام كل إصلاح، من قبيل المشكلات الكامنة في النصوص ذاتها، أو المرتبطة بالسلطة التقديرية أو تلك المتمثلة في غياب الإنصاف ( مثال التعسف على قانون الأسرة ) ، و انعدام الجرأة على ممانعة السلطات إذ لا زلنا أمام عدالة مفوضة، و كذا الحرص على الشكليات مع إغفال المضمون.

ليخلص إلى المفارقة المتمثلة في أنه لا يمكن أن تنجح إرادة الإصلاح في مختلف المجالات مع بقاء قطاع العدل مستثنيا من هذه الإرادة الإصلاحية.

و قد تلا العرض نقاش ثري ساهم فيه حوالي أربعة عشر متدخلا، اشتبكت مع كل المحاور و الإشكاليات التي تضمنها عرض ذ. الناوي. و يمكن على سبيل التركيب تسجيل القضايا التالية التي طالتها تدخلات الحاضرين:

تعريف العدالة و تمييزها مفاهيميا بمقارنتها بمفاهيم الإنصاف و المساواة و إعادة الاعتبار. و كذا التمييز بين العدالة المعيارية و العدالة القضائية مع التنبيه إلى الإلتباسات التي قد تنشأ عن الخلط بينهما.

كما ركزت الكثير من التدخلات على واقع العدالة في المغرب في علاقتها بالرشوة و غياب الثقة بالعدالة و انعدام الإحساس بحصول المساواة أمام القانون. و في هذا السياق، أكدت العديد من التدخلات على أهمية التربية و إرساء قيم المجتمع الديمقراطي، حتى يتحول مطلب العدل إلى حق، عوض أن يبقى مجرد مطلب أخلاقي.

و أثار تدخل آخر إمكانية قيام ما أسماه تصور موضوعي للعدالة بمعزل عن التصورات الأخلاقية و الدينية.

من جهة أخرى، توقفت بعض التدخلات عند القيمة النظرية المستجدة لمفهوم العدالة الانتقالية، بما هو مفهوم يسمح بالتفكير في إشكالية العدل من زاوية طريفة و مستجدة.

و في معرض رده، أعاد ذ. الناوي التأكيد على ما سبق له أن نبه إليه في مستهل محاضرته، و المتمثل في أن قضية العدل هي قضية إشكالية بامتياز، بما هي قضية متداخلة الجوانب، يمتزج فيها ما فلسفي بما هو قانوني بما هو أخلاقي. و هذا ما يبرر اختياره المنهجي، في أن يجعل غايته من العرض استفزاز السؤال و التفكير، و ليس تقديم حقيقة نهائية و جاهزة.

juillet 27, 2010 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :