Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

في نعي الدكتور محمد أركون

 

 

تلقينا في بيت الحكمة بألم بالغ نبأ رحيل المفكر الكبير الدكتور محمد أركون، أحد أعمدة الفكر المعاصرين في العالم الإسلامي، والباحث الذي اشتهر، بالإضافة إلى  عمق نظرته وصرامته المنهجية، بشجاعة المثقف الحرّ الذي يقوم بوظيفته النقدية على أكمل وجه، يحذوه في ذلك حسّه التاريخي المرهف بأولويات المرحلة، وبمكامن الخلل في أنماط الوعي و التفكير السائدة في المجتمعات الإسلامية.

وبهذه المناسبة الأليمة، وإذ نتقدم بتعازينا الصادقة لأسرة الفقيد الصغيرة، ولأسرته الكبيرة من أهل الفكر والبحث والثقافة، لنعلن للرأي العام الثقافي و السياسي في بلادنا ولكل الحاملين لهموم التحديث والدمقرطة ما يلي:

 إن الراحل الكبير قد استطاع بجهوده الفكرية الدؤوبة أن يلفت الانتباه إلى موانع التحديث ومستلزماته الفكرية، وأن يبرز بشكل عميق أسباب الهوة التي تفصل المسلمين عن العصر الذي نحن فيه، والتي تحول بينهم وبين الإسهام الحضاري المطلوب في الرصيد العلمي والمعرفي للإنسانية في الوقت الراهن، وفي صدارتها هيمنة النزعات الماضوية والدوغمائية ومناهج التفكير التراثية النقلية على الروح العلمية التجديدية والحس النقدي والمستقبلي.

 إن الصرح الفكري للفقيد قد ساهم بشكل كبير في تجاوز التضخم الإيديولوجي الذي هيمن على الفكر العربي و الإسلامي على مدى عقود، وأعاد الاعتبار للفكر النقدي الحيّ، وللعمق الفلسفي للتنظير والتأمل، وعرف تعريفا ملموسا بعدد من المفاهيم والمناهج العلمية الحديثة التي ساهمت في توضيح الرٍؤى وإعادة قراءة نصوص الدين وقضايا التراث و المجتمع الإسلامي، ونخص منها بالذكر مناهج علوم اللسانيات والأنثروبولوجيا والتاريخ.

 إنّ الدرس الذي يقدمه الفقيد بعطائه الفكري و جهده التحليلي يبرز أنّ تقدم المجتمعات الإسلامية ودخولها عالم الحداثة و انعتاقها من أسر الجمود والتخلف يتطلب القيام بإصلاح ديني شامل يمرّ عبر تحليل أساليب التفكير التراثية ونقدها  و »تفكيك » مفاهيمها وآلياتها الفكرية والمنهجية من أجل تجاوزها، والمضي بذلك إلى أبعد مدى حتى يُمكن تحرير العقول من وصاية منظومة عقائدية مغلقة، ومن تمّ تجديد الوعي الديني وملاءمته مع حاجات العصر وقيمه ومعارفه وتوسيع مساحات المعرفة والنقاش الحر والبحث العلمي وآفاق القراءة والفهم والمعنى، حتى لا يظل الماضي جاثما على الحاضر وعائقا أمام المستقبل. 

 إن دعوة الراحل على امتداد حياته إلى أنسنة الدين وفهمه من خلال مبدأ مركزية الإنسان وسموّه، وإعادة النزعة الإنسية المفتقدة إلى الفكر الإسلامي لتعدّ اليوم إحدى أولويات البناء المستقبلي التي ينبغي التركيز عليها وإيلاؤها الأهمية القصوى وخاصة في مناهج التعليم ومضامين المقررات الدراسية.

 إنّ على النخبة الثقافية والأكاديمية وأعضاء الطبقة السياسية في البلدان المغاربية والإسلامية أن يأخذوا مأخذ الجدّ مقترح الدكتور أركون المتعلق بالحاجة  الملحة إلى إنشاء معهد للدراسات والأبحاث في تاريخ الأديان، وذلك لما لهذا المشروع من أهمية قصوى في إكساب المسلمين الوعي التاريخي المطلوب بنسبية الظاهرة الدينية، وفي تقليص مساحات الجمود والوثوقية والتشدد الديني، وفي إتاحة انتشار مبادئ التسامح والحوار وروح التبادل الحضاري بين المسلمين وغيرهم من الشعوب الأخرى.

 إننا في بيت الحكمة ندعو المسؤولين والعاملين في حقل التربية والتعليم إلى إدراج نصوص الفقيد وأفكاره ضمن المقررات الدراسية، والتعريف به في أوساط المتمدرسين وتقريب أفكاره من الشباب.

 كما ندعو إلى إطلاق اسم محمد أركون على مؤسسات ومنشآت ثقافية وأكاديمية وشوارع وأماكن عمومية بالبلدان المغاربية، اعترافا بما أسداه للفكر والثقافة الإسلاميين وللإنسانية .

                                                     الرباط في 20 شتنبر 2010

                                                                                                                                                                  المكتب الإداري

septembre 20, 2010 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :