Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

نقد الفكر الجاهز

نقد الفكر الجاهز

 إن نص الآخر يجب أن يقرأ ويساءل دون هوادة،

لكن أن يحترم إذن في حرفيته قبل أي شيء آخر »

جاك دريدا 

       في خضم النقاش والصراع حول  » الانتقال الديموقراطي  » الذي يعرفه المغرب، ما فتئت بعض الأوساط تدافع عن العديد من القضايا وتعبر عن العديد من الآراء المثيرة حول الملكية والأحزاب والديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والإنصاف والمصالحة..الخ؛  

      وهي قضايا وآراء تتعدد مشاربها وتختلف، بيد أن ما يجمعها -في رأينا- هو نوع من الفكر السهل أو الجاهز(la pensée prêt-à-porter) ، الذي يرى أن لاشيء يحدث في المغرب، وأنه  » يكفي أن..  » و »يجب أن..  » و » لو أن.. « ..، حتى يتحقق الإصلاح ونبلغ سدرة المنتهى.

      من زاوية حرية التعبير والاختلاف، فلا شك أن لهذا الفكر الحق في التعبير عن نفسه بكل حرية، فله شرف  » الشغب  » وتحريك الساكن على الأقل. بيد أنه يطرح من زاوية المعرفة النقدية عدة أسئلة وملاحظات نرى من الضروري التوقف عندها. وهو ما سنسعى إليه في هذا المقال.

     لا شيء يحدث

       أهم نموذج مثير يمكن أن نتوقف عنده في هذا الصدد، والذي يعبر بشكل كبير عن هذا الفكر، هو نص الاستجواب الذي نشرته إحدى الصحف الأسبوعية في المغرب (1)، والذي نقدم أهم فقراته فيما يلي :

– يعيش المغرب فراغا من ناحية الوضع السياسي..، والطبقة السياسية فاسدة..، والنخبة متواطئة وخائنة لمبادئها..، والمثقفون والتجار وأصحاب رؤوس الأعمال والأحزاب مرتزقة..، و الكل تواطأ على مصلحة هذا الشعب المقهور حتى المعارضة..،

– برامج الإصلاح مساحيق في التلفزة أو  » تليفزيوقراطية  » و »معهدقراطية ».. ،

– هيأة الإنصاف والمصالحة مفبركة..، وجلسات الاستماع مسرحية..،

– التغيير والمجتمع المدني وحقوق الإنسان هذه مسائل غير موجودة..،

– انتخابات 2007 نتائجها معروفة مسبقا عند وزارة الداخلية..،

– الأمر ليس في يدنا بل في يد أمريكا، والذي يحرك حروب العالم العربي والإسلامي هي أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهما..،

– هناك مليار و800 إرهابي في العالم فكل مسلم هو إرهابي، والإرهاب موجه ضد المسؤولين في العالم العربي والإسلامي الذين يتحالفون ضد شعوبهم  مع دول تضمن لهم كراسيهم..،

–  الأمر يتطلب عملية جراحية تستأصل المرض..، والدواء لا يوجد إلا عند المغاربة بأنفسهم عن طريق المشاركة والمصداقية، لكن مع الأسف لا توجد مصداقية، لا توجد ثقة، لا توجد رؤيا.. « .

       هذه هي خلاصة خطاب  » الفكر الجاهز » الذي نحن بصدده، والتي يكفي أن يضيف القارئ إليها بعض  » التوابل  » الياسينية واليسراوية والصحافية المثيرة..، حتى  يستقيم الطبق. فكيف يمكن إذن قراءة هذا الخطاب/الطبق ؟

   الشمولية والديماغوجية

      بعيدا عن الخوض في التفاصيل ( أي الرد نقطة نقطة على ما ورد )، يمكن القول أنه إذا كان هذا النوع من الخطاب يهدف ظاهريا إلى التنوير والتغيير والإصلاح والتقدم..، فإن تفكيكه يفيد أنه يحجب خطابا آخر (2)، يتميز عكس ذلك بالخصائص التالية :

  • الشمولية، أي النزوع نحو الحديث عن كل شيء ( المغرب، العرب، الإسلام، أمريكا، إسرائيل، المسؤولون العرب، النخبة،  المثقفون، حقوق الإنسان، الشعب، العلم، التقدم..)، بما يفيد أن هذا الخطاب يملك من المعرفة بشأن الحاضر والمستقبل ما يجعله يحيط  بكل أسرار  » الوضع  » المغربي والعربي والإسلامي والدولي، ويعبر عنها في نسق كلي أو  » نظرية  » كبرى تفسر التاريخ.
  • الإطلاقية، أو الوثوقية التي تفيد أن هذا الخطاب يعرف وحده الحقيقة، كل الحقيقة، وأنه يملك نتيجة ذلك صلاحية الحديث أكثر من غيره ( أي من خطاب السلطة والأحزاب والنخبة المثقفة الفاسدة..) عن ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ما هو صالح وما هو غير صالح للمجتمع والكون، ولديه  » رسالة  »  يريد أن يبشر بها أهله لدعوتهم إلى الهداية والطريق المستقيم. وكل ما يقوله بهذا الصدد، هو عين الإيمان والعقل والصواب، ولا مجال للشك أو النسبية في أحكامه الحاضرة أو تنبؤاته المستقبلية.       
  • العنف، ونقصد به العنف اللفظي، الذي هو نتيجة الإطلاقية والوثوقية، والذي يعكس موقفا سلبيا متصلبا واضحا ضد الآخرين ( سلطة، أحزاب، مثقفين،..)، يتجاوز التعبير عن الرأي إلى استعمال الكلمات الجارحة وتوجيه الاتهامات التي تصل أحيانا إلى حد القذف. وذلك في ذات الوقت الذي يعلن فيه الخطاب ذاته بوضوح أنه ينبذ العنف، بل ويشتكي من العنف الذي يمارس ضده ( التضييق والمتابعات والمنع.. )؛
  • الشعبوية والديماغوجية، والتي تفيد استعمال أسلوب معياري تبسيطي ( أبيض/أسود، فساد/صلاح، نخبة/شعب، غرب/شرق،..) مليء بالإثارة والأحكام الجاهزة بل والتحريض أحيانا (قولوا « لا » ولا تقولوا « نعم »، و »باراكا »). والهدف، التأثير في « الشعب » أو « الجماهير » ودفعها إلى « الانتفاضة » لمسح « الإهانة » و »الذلقراطية » التي لحقت بها من جراء ما أسماه الخطاب بفساد السلطة وخيانة النخبة وارتزاق رجال الأعمال والأحزاب والمثقفين.. وتواطئهم مع أمريكا وإسرائيل..؛
  • التناقض، والذي يعكسه التأرجح بين موقفين :

   + بين التحليل المادي (الاقتصادي والاجتماعي) الذي يدعو إلى الأخذ بالتقدم والعلم والتكنولوجيا، وبين التحليل المثالي (الأخلاقي واللاهوتي) الذي يدعو إلى مكافحة  الذلقراطية والإهانة، ووجوب العودة إلى الله،..الخ.

+ بين التفاؤل الذي يدعو إلى المشاركة الديموقراطية ويرى أنه  » لابد أن يقع تغيير  » و  » لازال ممكنا أن نستدرك الأمر « ، وبين التشاؤم  الذي يدعو إلى المقاطعة ( قولوا « لا » ولا تقولوا « نعم » ) ويذهب إلى حد العدمية بالقول  » أن الحل بيد المغاربة، لكن لا توجد مصداقية  عند الجميع ( سلطة وأحزاب ومثقفين وكل  » المغاربة « ، أي الشعب).  

        تبرز هذه الخصائص إذن، أننا إزاء خطاب متمرد، ينطلق من  » ممكنات ذهنية  » ( حسب تعبير م.ع.الجابري ) تهدف إلى  » الثورة  » أوالإصلاح والتغيير العلماني أو الديني، لكنها تقف على الأرضية ذاتها التي تنتقدها، أي ممارسة نفس الخطاب الشمولي والإطلاقي والشعبوي والعنيف والمتناقض.. التي تدعي أن الخصم يمارسه.

التغيير المنشود

         نعم، لا خلاف على النوايا الحسنة. فمن المفترض أن وراء هذا الخطاب المتمرد غيرة صادقة عن الوطن وغاية نبيلة نحو الإصلاح ( ولكل امرئ ما نوى ). وهي غيرة أوغاية نشترك فيها جميعا. فقد كنا وما نزال وسنظل، في حاجة إلى جرعة دائمة من  » الثورة  » أو التمرد والعصيان والشك والطوبى..، تقينا جميعا شر السلبية والجمود ( أو التوافق القاتل ) وترسم لنا أفقا للحلم والتجديد باستمرار.

     وفي هذا الصدد، لامناص من تفهم القلق الذي يساور الخطاب المذكور، والاعتراف أنه على الرغم من كل المجهودات المبذولة في المغرب، فإن الديموقراطية مازالت متعثرة،  ومظاهر الفساد متفشية، والوضع الاقتصادي والاجتماعي متأزم بل، ويمكن أن نذهب -من باب المزايدة-  في وصف الحالة المرضية لهذا الوضع إلى أكثر مما جاء به الخطاب ذاته.

          لكن السؤال هنا هو : هل سنظل إلى أبد الآبدين ننتقد  » الوضع  » المغربي ( أو العربي والإسلامي والدولي )، وننافس بعضنا بعضا حول من منا يبكي أحسن ويولول أو يصرخ أحسن في الكتب والصحف و الفضائيات..، ويزيد بالتالي  في تعميق الجرح وجلد الذات ؟ أم علينا أن نقر أننا بكينا وولولنا وصرخنا بما يكفي، وراكمنا من النوايا الحسنة والأفكار والنظريات والبرامج والتوصيات ( منذ عصر الأفغاني ومحمد عبده على الأقل ) بما يكفي. وقد آن الأوان كي نتوقف عن كل هذا العبث الجنائزي، وننزل من عليائنا إلى الأرض لنأخذ العبر من التاريخ، فنغير أفكارنا وأساليب نضالنا ومواجهتنا كي  » نخرج من منطق الاسم إلى منطق الفعل » (3)، ونساهم بكل تواضع وفعالية في تغيير واقعنا اليومي بشكل ملموس ؟

      إن  » الإصلاح ليس طريقا، بمعنى المسلك الشاسع الواضح المعالم المعروف البداية والنهاية، إنه على الأصح ممر ضيق ..، بدون إضاءة، بدون وجهة محددة..، فمرجعيته الوحيدة هي معطيات الواقع  » (4). وعلى هذا الأساس، فلا فائدة ترجى من توجيه الشتائم إلى الدولة والنخبة والأحزاب ..، أو الاكتفاء بالحلم بمدينة فاضلة أو مجتمع مثالي، أو الاقتصار على استنهاض همم  » الشعب  » بشعارات أخلاقية كبرى مثل  » باراكا  » أو » الإهانة  » و » الذلقراطية  » وقولوا « لا » ولا تقولوا « نعم »..، أو ادعاء امتلاك نظرية  » صحيحة  » و » حقيقية  » و » متكاملة  » عن الواقع التي هي وحدها الكفيلة، لوطبقت، بتغيير مجرى التاريخ..الخ.

التجارب الديموقراطية

      ذلك، أنه حين نلتفت إلى التجارب الديموقراطية المقارنة، نجد أن التجارب التي نجحت نسبيا، والتي نأخذها الآن بوعي أو لاوعي كقدوة لنا ( بعد  » أفول الأصنام  » وفشل الإيديولوجيات الخلاصية الكبرى )، هي التي تبنت المنهج العقلاني الواقعي أو  البراغماتي التجريبي، أي هي التي ذهبت مع منطق التاريخ فاشتغلت على ذاتها طويلا وأخذت بأسلوب الإصلاح  التدريجي الذي يقوم على التراكم والعمل خطوة خطوة. وتمكنت بعد صراع وتضحيات وفترات شك ويقين، وصعود ونزول، وتقدم وتأخر..، من تحقيق تقدم ملموس في العديد من مناحي الحياة، ومازالت مسيرة الديموقراطية فيها لم تكتمل بعد.

      وفي هذا الصدد، فإن قراءة سريعة لواقع العديد من الدول الديموقراطية الغربية الآن يطرح العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول  » فلسفة  » التغيير هذه التي ننشدها أو هذا النموذج الذي نحلم بتطبيقه في بلادنا، مثل :

  • هل هذه البلدان ديموقراطية بالفعل ؟ من يحكم فيها فعلا، هل النخبة أم الشعب ؟ ومن الذي يسيطر فيها على الاقتصاد والثقافة والإعلام، هل هي الشعوب أم الشركات العابرة للقارات والمؤسسات المالية والإعلامية الدولية ولوبيات المصالح أو » المافيات  » المختلفة ؟
  • وكيف نفسر عزوف المواطنين في الغرب ذاته عن الانتخابات وسخطهم على السياسة والسياسيين ؟ وكذا تطور ظاهرة التيارات أو الأحزاب  الشعبوية واليمين المتطرف في كل هذه البلدان ؟  
  • كيف نفهم التفسخ الاجتماعي الناتج عن البطالة والإقصاء، وسيادة قيم الاستهلاك المادية والفردانية المطلقة، وانتشار ثقافة النسبية والتفكيك والعدمية.. ؟
  • وما هو مصير الديموقراطية في ظل التراجعات التي تشهدها البلدان المعنية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان والحريات العامة ( بدعوى النجاعة الاقتصادية والربح، ومكافحة الهجرة أو الإرهاب..) ؟
  • وأي طريق يمكن أن تأخذه بلدان العالم ( بما فيها المغرب ) لتطبيق أفضل نموذج ديموقراطي مع أخذ بالاعتبار كل هذه القضايا والتحولات العالمية في عين الاعتبار ؟

        هذا ما يشغل بال المفكرين الغربيين حاليا (5). وهذا ما يجب أن يشغلنا ويدفعنا جميعا إلى التساؤل وإعادة النظر باستمرار في أفكارنا ونماذجنا ومشروعاتنا الجاهزة حول الديموقراطية والتنمية والحقوق والحريات..، والمستقبل.

الديموقراطية العملية

        بناء على ذلك، يصح القول أنه  » لابد للهياكل أن تتغير والسلطة أن تتوزع بطريقة ديموقراطية، والقرارات لا يمكن أن تتخذ بدون مشاركة.. »(6) ، أي لابد من الديموقراطية. لكن، السؤال هو، كيف ؟ والحال، أننا لسنا بصدد بناء قصور على الرمال، بل إزاء عملية طويلة النفس تتعلق بدولة ومجتمع وثقافة وتاريخ ووضع مادي اقتصادي واجتماعي محلي وعالمي مركب، يتميز بالتعقد والاختلاف وتضارب الآراء والمصالح.

      بمعنى أوضح، فإن الديموقراطية تقتضي أخذ بعين الاعتبار المعطيات التالية :

  • أن الديموقراطية ليست نظاما يتطابق مع نموذجه، وإنما هي مشروع أو وعد  أو  » مسار للبشرية..، له شكل لولبي لا خطي..، يرتهن في محتواه ووتيرته بهياكل وظواهر تخترق النسق السياسي في حد ذاته وتتعداه  » (7).
  • أن المسألة بهذا المعنى تتجاوز تغيير النسق السياسي ( اختصاصات الملك، تغيير الدستور،  انتخابات نزيهة..) إلى ما هو أعمق، أي إلى ما يؤسس هذا النسق نفسه. وهو المهاد أو الوعاء الثقافي الاجتماعي ذاته، الذي يشكله  الدين والعرف والتقاليد، وبنية المجتمع، وآليات اشتغاله، وأنماط تحوله، وعلاقات أفراده..(8). ومن هنا ضرورة التربية والتعليم والثقافة، والتنوير، والتأطير، وإعداد المواطن..؛
  • أن التنمية الاقتصادية والبشرية تلعب دورا هاما في هذا المسار، إذ لامجال لتطور الديموقراطية في ظل الفقر والتهميش. وهنا، لابد من الاعتراف بمجهودات الدولة ( سن القوانين، إعادة التأهيل، المبادرات والمشروعات الكبرى..)، وكذا بمحدودية الاختيارات والإمكانيات ( ضعف الدخل الوطني الخام ) ..، وبالتالي النتائج؛
  • أن هناك عوائق كبرى أمام الديموقراطية، محلية ودولية :

     * العوائق المحلية، وهي التي قد تأتي من  » جيوب المقاومة  » التقليدية ، وقد تأتي للأسف من داخل الصف الديموقراطي ذاته حيث  » الإصلاح هو الآخر  » ( بمعنى  » أنا كفرد أو حزب أو نقابة أو فئة مهنية، أقبل الإصلاح  شرط ألا يمس مصالحي  » )، وحيث العجز عن نقد الذات وتطبيق الديموقراطية الداخلية وقبول الاختلاف والتأطير الاجتماعي والتواصل..؛ هذا إن لم يجنح البعض إلى خلق الأحزاب أو التيارات التي تمارس الاختلاف الوهمي عبر المزيد من  » البلقنة  » والتشتت، فيما تدعو إلى الوحدة والوفاق والاتحاد والجبهة والتكتل والتحالف..الخ.

     * أما العوائق الدولية، فهي من مصادر متعددة مثل: العولمة الاقتصادية والثقافية-الإعلامية، والمؤسسات المالية الدولية، والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، والصراعات الإقليمية والجهوية (الصحراء، الجزائر، اسبانيا..)..الخ.  والتي قد تصل إلى حد إعاقة تحقيق الديموقراطية ذاتها، إذا مست هذه الديموقراطية مصالح النظام النيو-ليبرالي العالمي الجديد.

     هذا ما يبدو أن  معظم القوى الوطنية الديموقراطية قد فهمته، حين انتهت إلى الخيار الديموقراطي بعد فترة تاريخية قلقة ( انفتاح/انغلاق، حرية/قمع، ديموقراطية/ديكتاتورية، إصلاح/ثورة، تقدم/تخلف، أحلام/كوابس..الخ ). والنتيجة، هي ما نشهده حاليا من إرادة ودينامية نحو التغيير، كما عبرنا عن ذلك في مقال سابق (9).

ما العمل ؟

       نعم، قد نختلف في قراءتنا لتاريخنا القريب، وقد نحمل لهذا الطرف أو ذاك المسؤولية الكاملة أو النسبية للوضع المتأزم الذي انتهت إليه بلادنا بعد كل هذا الصراع. وهذا ما قام به الخطاب المذكور حين حمل المسؤولية للسلطة وإكس ليبان والأحزاب والدستور الممنوح والنخبة وأمريكا وإسرائيل والتخلي عن الإسلام..الخ. 10).

       لكن عودة إلى السؤال  الحارق :   » ما العمل  » ؟  ماذا بعد المصالحة الوطنية ، وتجلي  » الحقيقة  » أو جلها على الأقل ؟ ماذا بعد كل هذا التطهير النفسي حول الماضي ؟ ما هي الخيارات الممكنة أمامنا الآن :

  • هل ننصب المحاكم والمشانق للمسؤولين، ومن هم، ولأية غاية في النهاية.. ؟
  • هل نقوم بالثورة أو  » القومة  » ؟ أم نقوم بإضرابات لانهائية لشل كل القطاعات العاملة، أو بإضرابات جماعية أو فردية عن الطعام، أو نذهب إلى حد إحراق أنفسنا في الساحات العامة، كي نجبر الدولة على الإذعان لمطالبنا؟ وما هي هذه المطالب، ومن يحددها ؟
  • أم علينا – كما يقترح الخطاب الذي نحن بصدده – أن ننزل جميعا إلى الشوارع كي نقول  » لا  » و » باراكا  » ونقوم  » بالانتفاضة  » كي نمسح  » الإهانة  » و » الذلقراطية « ، وندخل بذلك إلى جنة الديموقراطية، آمين ؟
  • طيب، من  يقوم بكل هذا، والحال أن هذا الخطاب ما فتئ يعلن ( وبكامل الجزم واليقين ) فساد الجميع، المخزن والطبقة السياسية والمثقفين بل وكل  » المغاربة  » الذين لم تعد لديهم أية مصداقية ؟ هل نصنع إذن شعبا آخر، أم ننتظر  » المهدي  » ( أو أمريكا )  لتفك لنا هذه  » الحريرة  » ؟

        وبعد كل هذا، هل سنظل في أماكننا إلى الأبد نكرر طرح مثل هذه الأسئلة العبثية حول ما كان وما يجب أن يكون، أم أن الواجب، كما أشرنا إلى ذلك، يتطلب  » التمرن على منطق الفعل  » ((حسب تعبير ع.العروي) ، أي العمل على تغيير ما هو ممكن في الحاضر هنا والآن، ومشاركة كل منا في التجربة التي هي قيد التنفيذ في بلادنا على علاتها ، باعتبارها تجربة  » نا  » جميعا، وليست تجربة  » هم  » فقط . وهذا، بعيدا عن أسطورة الخطاب  » الرسولي  » الذي يدعي النبوة والمعرفة والطهارة واليقين والتقدمية واليسار الجذري..، وعن الشعارات والنماذج الجاهزة وإملاء الدروس أو المزايدات حول الماضي والمستقبل وتحميل المسؤولية للآخر فحسب (المخزن، الأحزاب، النخبة، المثقفون، أمريكا..).

       صحيح، قد تكون مسؤولية هذا  » الآخر  » قائمة بهذه النسبة أو تلك، وهذا ما يتطلب من المعارضة البناءة توضيحه ونقده ومواجهته دائما دون شك. لكن، ليس  » الجحيم هو الآخر  » دائما.  » فأن تكون ديموقراطيا معناه اقتران فعلك باعتراف أننا لا نعيش أبدا في مجتمع ديموقراطي بما فيه الكفاية  » (11). وما ينبغي طرحه تبعا لذلك هو : ما هي مسؤوليتي أنا كمواطن أو أستاذ أو موظف أو تاجر أو مناضل حزبي أو مثقف أو صحافي أو حتى عاطل..، في  » الوضع  » القائم ؟ ما هي واجباتي ( وليست حقوقي فقط ) في هذا الصدد ؟ أليس من الجائز أن تكون نظرياتنا أو نظرة كل منا إلى هذا الوضع، بل وكذا سلوكنا وممارساتنا اليومية، هي ما يجب نقده والبدء في تغييره -قبل أو على الأقل- موازاة مع نقدنا للآخر ومطالبتنا بالتغيير الشامل ؟

دروس التاريخ

       لقد علمنا التاريخ أن الواقع، ليس ( ولا يمكن أن يكون أبدا ) مرآة للنظريات والعقائد والإيديلوجيات والبرامج المثالية الجاهزة ..، مهما كانت الدعوة إلى ذلك  ومهما تم الاعتقاد أن هذه  » الدعوة  » صادقة و صحيحة ومتكاملة وحقيقية و..، لا يأتيها الباطل من ورائها ولا من خلفها. لقد انتهى عصر الدعوة و » الداعية  » (12)، فلا الليبرالية حققت كل ما حلمت به في عصر الأنوار، ولا الاشتراكية وصلت إلى الجنة التي وعدت بها الماركسية-اللينينية على الأرض، ولا القومية أنجزت الوحدة المنشودة، ولا حقق أي دين الخلاص الموعود كما سعى إلى ذلك مدعوه، ولا ولا..

        ما جرى في التاريخ ( المحلي والدولي ) بسلبياته وإيجابياته هو بكل بساطة، ما سمحت الإرادة البشرية وجدلية الوقائع والظروف والأهواء والمصالح..، بأن يجري في زمانه ومكانه لا غير. وفي هذا الصدد،  كثيرا ما جرى التاريخ على عكس ما توقع صانعوه، وفاجئت الوقائع أهلها من حيث لا يحتسبون. و لعل هذا ما أسماه هيجل ب » مكر التاريخ « . بمعنى، أنه كثيرا ما تكون النتائج مخالفة للتصورات، وكثيرا ما غير التاريخ أولئك الذين حلموا أو خططوا ووضعوا النظريات والبرامج قصد تغييره. وتجارب القرن العشربن المفجعة أكبر دليل على ذلك ( الفاشية، النازية، الستالينية، القومية، الاستبداد..) كما هي تجربة المغرب كذلك، وإلا هل كان جيل الحركة الوطنية في الخمسينات والستينات أو حتى جيل  » اليسار الجذري  » في السبعينات من القرن الماضي يتوقع ما أسفرت عنه وقائع التاريخ في بداية القرن الواحد والعشرين ؟ من الذي تغير في الواقع،  » الوضع  » أم الذين كانوا يحلمون بتغييره ، أم هما معا ؟ 

      هل هذا يعني الإيمان بحتمية التاريخ، ونفي الطوبى أو الأمل وعدم الثقة في إرادة الإنسان  » العاقلة  » ؟ طبعا لا. فما يحرك التاريخ هي رغبات الإنسان وطموحه اللامحدود نحو المستقبل ( أي الطوبى والأمل ). وهذا مصدر الثورة والتغيير أو الإصلاح في النهاية.  لكن الإرادة شيء، و  » الإرادوية  » العمياء شيء آخر. الإرادة هي الرغبة العاقلة، والعزم الحكيم، والطموح المستحب، والتطلع الضروري نحو تجدد الحياة الطبيعية والسير بها نحو الأفضل. أما الإرادوية، فهي الثورة العمياء، والتمرد الأخرق، والتهور الذي يطمح إلى تسريع وتيرة التاريخ بعنف أو التحكم في صيرورته بقسوة بغية تغيير كل شيء « هنا والآن »، وتحقيق الطوبى بشكل مطلق على الأرض ( كما تسعى إلى ذلك كل الأصوليات علمانية كانت أم دينية، يمينية أم يسارية.. ). وذلك، بغض النظر عن توفر شروط هذا التغيير والتحقيق والآثار المدمرة التي يمكن أن تنتج عنه، والتي من شأنها تحويل تغيير المنكر إلى منكر أكبر منه، والطوبى أو الأمل إلى كارثة عظمى.

 الانتشار والحظوة

       إن مما لاشك فيه أن  » الفكر الجاهز  » قد يحظى للأسف ( كما شهدت ذلك العديد من التجارب التاريخية ) بانتشار شعبي واسع وحظوة إعلامية كبرى، وقد يرتفع صوته بذلك فوق صوت العقل والحكمة . وهذه قضية تحيلنا على موضوع انتشار الآراء وسبل الإقناع والتضليل الفكري أو الديني أو الإعلامي، ومدى تعلق الجمهور أو الشعب بسحر الكلام والأوهام والخرافات والإشاعات والأفكار أو الآراء المثيرة في الكتب والصحف والفضائيات..الخ.. وهو موضوع قيل فيه الكثير ومازال مفتوحا للنقاش، ولن نتوقف عنده هنا (13).      

       يكفي القول بشأن الخطاب أو الفكر الذي نحن بصدده، أن انتشاره يؤكد، في رأينا، المنحى الشمولي والإطلاقي والشعبوي العنيف والمتناقض الذي تحدثنا عنه والذي يستغل بميكيافلية بالغة بؤس  » الوضع  » والأمية المتفشية ( التي ما برح يندد بوجودهما ) كي يثير  » الجمهور  » و  » الشعب  »  بواسطة  » الفكر الجاهز  » التي يعبر عنه والطابع المعياري الذي يعتمد عليه، والأسلوب التحريضي التي يتبناه والذي يتخذ من  » إيديولوجية الكفاح  » سلاحه الأسهل ( الانتفاضة، الإضراب عن الطعام، النقد السلبي، الاستفزاز..)، عوض المراهنة على السلاح الأصعب، أي سلاح التربية والعقل والمعرفة والحوار الهادئ. وهو خطاب لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الكارثة، أي عمليا إلى النقيض مما يدعو إليه. وتلك هي مفارقة، بل ومأساة هذا الخطاب. 

الفكر الآخر 

        يفيد هذا التحليل إذن، أننا في حاجة إلى خطاب أو فكر آخر، يتمتع بخصائص مغايرة أو مناقضة تماما لخصائص الخطاب المذكورة، أهمها:

  • التحديد بدل الشمولية، أي التحلي بصفة التواضع العلمي الذي يقود صاحبه إلى الاعتراف بأن عصر الروايات أو الحكايات الكبرى المفسرة للتاريخ قد ولى، وأن علمه كإنسان محدود في الزمان والمكان. ولا يمكنه الإحاطة بكل شيء ( فهذه صفة تخص الله، لدى المؤمنين ). وكل ما بإمكانه صنعه في النهاية هو تسجيل  » حكايته الصغرى « ، وتقديم  » شهادته  » وخبرته أو تجربته في الحياة، ومساهمته مع الآخرين في محاولة الفهم والتأويل والتغيير؛
  • النسبية بدل الإطلاقية والوثوقية، أي الإيمان بأن الحقيقة مسألة نسبية، وأن المعرفة الإنسانية تظل بطبيعتها ناقصة ( « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا »، و »الله أعلم »..الخ). بل و » أن المعرفة العلمية ذاتها لا تكون علمية إلا إذا أثبتت قابليتها للخطأ  » حسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر (14) . والشيء ذاته يمكن قوله بشأن الإيمان والاعتقاد ( كان علمانيا أم دينيا )، حيث دروب الخلاص متعددة، و » الاختلاف رحمة  » في هذا الشأن كما في غيره؛ 
  • العقلانية بدل الشعبوية والديماغوجية، أي السعي : إلى التغيير عن طريق التربية والمنهج العلمي الرشيد والفكر المركب بدل الشحن عن طريق الشعارات والمواقف الجاهزة والفكر المعياري البسيط، وإلى التوعية بالمسؤولية الذاتية وثقافة الواجب بدل تحميل المسؤولية للآخرين والاكتفاء بالمطالبة بالحقوق وصنع الضحايا، وإلى الحث على المشاركة والعمل والاجتهاد بدل الحث على القطيعة والتقاعس والكسل، وإلى مخاطبة العقول عوض مخاطبة الغرائز البدائية وتهييج العامة وبيع الأوهام والحلول المعلبة الجاهزة.. ؛
  • الحوار بدل العنف، أي الحفاظ على جسور التواصل، والتحلي بأخلاق التسامح، ونبذ أسلوب الإقصاء والعنف المادي أو المعنوي. وذلك، اعتبارا أن العنف يولد العنف، وأن التغيير مسألة معقدة وصعبة، تتطلب الجهاد ضد النفس أولا ، والكثير من المرونة في الفكر والسلوك، والصبر وقبول  » الآخر  » بل وأحيانا العمل المشترك معه ( حتى لو اعتبرناه  » عدوا  » لنا أو خصمنا الطبقي الفكري أو السياسي ) إذا كان ذلك يفيد في النهاية المصلحة العامة؛
  • المنهج بدل التناقض والفوضى، أي الحرص على المسؤولية في الكلام، عن طريق تقديم منهج بيداغوجي عقلاني في القول والحوار والتحليل، متماسك بين مقدماته وعروضه ونتائجه، يسعى دون شمولية أو انغلاق إلى طرح الأسئلة وإثارة النقاش وتربية المواطن على التفكير المركب عوض التفكير السهل والمضطرب. المطلوب بمعنى آخر، هو خطاب منفتح دون تسيب أو تهافت، و فكرعقلاني دون اضطراب يغذيه تمرد فوضوي-عدمي يعبر عن الشيء ونقيضه في ذات الوقت ؛  

خلاصة

     وبعد، هذه قراءة لما اعتبرناه « الفكر الجاهز » لدى بعض الأوساط في المغرب، حاولنا فيها الوقوف على خصائص هذا الفكر، فتبين لنا  بعد تحليل وتفكيك أن هذه الخصائص هي على نقيض تام مع ما تهدف إليه. ذلك، أنه إذا الهدف هو التنوير والتقدم والتنمية والديموقراطية والدفاع عن الحقوق..، فإن ما يحجبه هذا الفكر  هو الشمولية والإطلاقية والشعبوية والديماغوجية والعنف والتناقض. وهو ما يتطلب إعادة النظر في هذا الفكر نحو خطاب آخر يقوم على التحديد والدقة والنسبية والعقلانية والحوار والانسجام في القول والمنهج.

     وغني عن القول أن هذه القراءة/الشهادة تحتمل بدورها ما تحتمل من خطأ وصواب. فهي لا تسعى إلى نقض أو هدم أفكار  » الآخر  » (  أيا كانت هذه الأفكار ومن هم وراءها ) بل فقط المساهمة المتواضعة في التحليل النقدي لها ومناقشتها بوضوح، دون خلفيات مسبقة. وبمعنى آخر، فهي مجرد تعبير عن اختلاف في الرأي، لا يمس بمكانة أحد، ولا يفسد للود قضية، كما يقال.

                                                                   محمد بهضوض

 

الهوامش

(1) يتعلق الأمر بنص الاستجواب الذي نشرته جريدة  » المشعل  » الأسبوعية ( عدد 34، 19-25/07/2005 ) مع شخصية فكرية وطنية فذة لانرى داعيا في ذكر اسمها، احتراما وتقديرا لها أولا، وثانيا، حتى نتفادى شخصنة  الموضوع ، وخلق حساسيات لارغبة لنا فيها؛

(2) نستفيد هنا من آليات تفكيك النص عند جاك دريدا، كما اجتهد في عرضها  المفكر « علي حرب » في كتبه  ومنها : نقد النص، المركز الثقافي العربي، 1993؛

 (3) عبد الله العروي، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، 2002، ص 364؛

 (4) أحمد حرزني، الانتقال الديموقراطي في المغرب، ص 61؛

(5) وهو ما تشهد على ذلك عشرات الكتب والندوات والمقالات التي صدرت حول موضوع الديموقراطية في السنوات الأخيرة، مثال : فريد زكريا، مستقبل الحرية، أوديل جاكوب، 2003؛

(6) جريدة « المشعل »، مرجع سابق.

(7) (8) محمد بردوزي، ومحمد نور الدين أفاية، في  » الديموقراطية والتحولات الاجتماعية  » منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 86 ؛

(9) جريدة  » الاتحاد الاشتراكي  » عدد 8/12/2005 ؛ 

(10) كما تدل على ذلك عشرات الكتب والشهادات التي نشرت خلال الست سنوات الأخيرة حول  » سنوات الرصاص والجمر « ، فضلا عن تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة في هذا الموضوع؛

(11) جاك دريدا، المصالحة والتسامح، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال، 2005، ص67؛

 (12) عبد الإله بلقزيز،  » نهاية الداعية « ، المركز الثقافي العربي، 2000؛ 

 (13) غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي ،1991

    (14) كارل بوبر،  » مسارات ومراجعات »، بايو، باريس، 1985.      

février 6, 2011 - Posted by | Uncategorized

Un commentaire »

  1. يجب التفريق فالمشكل ليس في الأشخاص الذين يسييرون الحكومة، لأن ذلك ناتج عن إنتخابات رضينا بها كما أننزلت، بل المشكل في الأشخاص المعيينين على رأس الإدارات العمومية، كيف يعقل أن نجد كل الرؤساء فاسيــــــــــــــــون، أليس هذا ظلما وعارا ؟ أوا ليس المغرب من طنجة إلى الكويرة؟ أين موقع أبناء الأجيال التي طردت الإستعمار؟ أين نحن من الكعكة التي يأكل منها الفاسي وأولاده؟

    Commentaire par rachka | février 14, 2011 | Répondre


Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :