Baytalhikma’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

 

 

ندوة حول « العقل »

تقرير تركيبي

نظم بيت الحكمة بالمكتبة الوطنية بالرباط ندوة حول « العقل »، أطرها الأساتذة محمد الدكالي والعربي بلفقيه ومصطفى بوهندي، وشارك فيها عدد من المثقفين والباحثين والفعاليات المدنية.

وتندرج الندوة في سياق تعميق النقاش المفتوح والمنفتح الذي انخرط فيه بيت الحكمة منذ تأسيسه حول قيم المجتمع الديموقراطي الحداثي، وترسيخه وإذكاء جذوة حيويته. نقاش يكمل بعضه بعضا رغم التباين الظاهر لموضوعاته، اختار له بيت الحكمة أن يتناول، في إطار من التفاعل والتبادل والدرس والتحليل والاقتراح، قيما جوهرية ومؤسسة من قبيل الحرية والمساواة والعقل والعدل والعمل…

استهل اللقاء بكلمة للرئيسة المنتدبة  لبيت الحكمة السيدة خديجة الرويسي وضعت الندوة في سياقها، وتضمنت التنويه بالمشاركين والمتدخلين والترحيب بهم،

وتضمنت كلمة بيت الحكمة بالمناسبة إشارات إلى أهمية موضوعة العقل ومناقشتها وماهية العقل والعقلانية ومقوماتهما ومجالات إعمالهما. فالعقل، على حد قولها، ينبسط بالعلم وينقبض بالجهل.

وتساءل الأستاذ محمد الدكالي، في مستل تدخله، عن ماهية العقل وعن الاستعمالات المتعددة لكلمة عقل (raison)، وأبرز أهمية هذا الموضوع في هذه اللحظة التاريخية بالذات، وأضاف أن ما يهمه هو أن مسألة العقل تحركها وتحفزها وتبررها مسألة أخرى هي مسألة الخطأ، سعي المرء إلى أن يكون على صواب وألا يكون على خطأ. فالمسار التصاعدي للرياضيات ومسار المنطق كلاهما يتوخيان تفادي الخطأ. فلاغرو أن نلمس أن عمل فيلسوف من عيار سبينوزا يخترقه ارتباط متين بين العقل والحرية. ففي مؤلفه « الأخلاق » (Ethique) نقرأ أن الإنسان الذي يقوده العقل أكثر حرية في المدينة التي يعيش فيها منه في حال الوحدة التي لا يخضع في خضمها إلا لنفسه، فالعقل رائد الإنسان الحر ومناره. ومؤدى هذا الارتباط الوثيق أن العقل يقتضي ألا يعاق إن من الداخل أو من الخارج، إذ لا يمكن أن ينتمي عقل إنسان إلى إنسان آخر أو يحل محله. فلا « يعقل » أن يكره إنسان على التفكير والتصرف بعقل إنسان آخر أو على التخلي عن قدرته وعن حقه الطبيعي في التصرف تصرفا حرا في عقله والحكم على الأشياء. فمن المهم بالنسبة لسبينوزا أن يكون العقل إمام الإنسان الحر وأن تكون ممارسة هذا العقل حرة. غير أن الاستعمال الحر للعقل ليس معناه أننا لا نخطئ أو أننا نكون في مأمن من الخطإ، بل معناه أنه يمكننا تدارك الخطإ عبر التعرف عليه والاعتراف به وتصحيحه. إن الأمر يتعلق بتمرين لابد من القيام به.

إن سؤال: ما هو العقل ينطوي على الكثير من الغواية. ويوجد في كتاب « رسالة في معرفة الله والذات » (Traité de la connaissance de Dieu et de soi-même, Jacques Bénigne Bossuet, 1670) جواب جيد على هذا السؤال. فالعقل هو الوظيفة العليا التي تسمح لنا، من خلال الربط والتنسيق بين جميع العناصر والأشياء، بالتكيف بطريقة أكثر انسجاما مع محيطنا الطبيعي والاجتماعي. وترتيبا على ذلك فإن متطلباته هي: ثبات القواعد والرموز التي نستعملها؛ انسجام الأنظمة الشكلية وكفايتها؛ وضوح المعلومات وإمكانية الاختيار بينها وملكة اكتساب المعلومات. وهذه المتطلبات نفسها تفرض شروطا للفعالية والتفاعل والنجاح هي التي تسمح للبشر بالتفاهم. والانسجام هو شرط الوجوب بالنسبة لكل إعمال للعقل. فالنظريات التي تحتمل عدة صور ومعان لا يمكن أن تقود تفكيرنا. من ثمة، فإن الحاجة إلى الفكر هي، في ذات الآن، حاجة إلى نبذ فكر وإقصائه. والإنسان العقلاني هو الذي: 1ـ يتبع أهدافا منسجمة؛ 2ـ يستعمل وسائل متناسبة وهذه الأهداف؛ 3ـ يختار من الأهداف والوسائل ما يناسب قدراته ويراعي المحيط ومختلف الاستجابات وردود الفعل الممكنة.

بيد أن هذا التعريف تتفرع عنه مشاكل لا حصر لها عبر عنها ديكارت (ملك العقل) نفسه, فالعقل باعتباره القدرة على الحكم الجيد على الأشياء والتمييز بين الصواب والخطإ هو الشيء الأفضل والأعدل توزيعا بين الناس. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتفاوت الناس في قدراتهم العقلية؟ السبب هو أننا نستخدم عقلنا بطرق مختلفة؛ إذ أنه لا يكفي أن يكون لنا عقل، بل لابد أن نحسن استعماله.

وفي هذا السياق يطرح مالبرانش Nicolas de Malebranche في كتابه « البحث عن الحقيقة » (Recherche de la vérité) مشكل الكوني والخصوصي والمشترك بالنسبة للعقل. إذا كنت لا أرى « حقائقي » في أذهان الآخرين، وإذا كان الآخرون لا يرون « حقائقهم » في ذهني، فإن هذا يفرض الحاجة إلى عقل كوني. ولكن ما معنى الامتثال لعقل كوني؟ وهل يحظى هذا العقل بقبول الجميع؟ هذه بعض من القضايا الإشكالية المرتبطة بموضوع العقل. إن العقل ليس ملكة، ولا حالة ولا وضعا، ولكنه تمرين. والفلسفة ليست سوى إعمال العقل في قضايا جديرة بإعماله. فلا غرو إذن أن يحدد ديكارت العقل بأنه عدم التسليم بصحة شيء قبل التحقق من صحته (خلافا لما يجري في الغالب في مجالي الإشهار والسياسة)، فإعمال العقل معناه تجنب التسرع، معناه التمتع بفرصة الشك والتفحص. فهذا التمرين يفتح للناس آفاقا لا حصر لها، ولكنه ينطوي على مجازفة الوقوع في الخطإ.

وبالرغم من أهمية العقل المستفادة من هذه التحديدات والتعريفات، فإننا نلاحظ اليوم هجوما غير مسبوق على العقل. هذا الهجوم يتغذى إلى حد كبير من الفكر المهان La pensée humiliée والذي ليس السحر والشعوذة سوى تجل من تجلياته العديدة، ومن الفكر المهين La pensée humiliante الذي تحدث عنه ألبير كامي Albert Camus.

وتحدث الأستاذ العربي بلفقيه عن مفهومي العقل والوعي والحقول المفاهيمية المتعددة والمتنوعة التي يغطيانها. فالعقل من جهة ملكة يختص بها الإنسان وتسمح له بالحكم على الأشياء، وهو نقيض الغريزة والعاطفة والخيال. وهو من جهة ثانية مجموع طرق التفكير وقواعد حسن التصرف وحسن التصور والحكم ومبادئ الحس السليم والتمييز والحكمة. كما أنه من جهة ثالثة مجموع القدرات الفكرية.

ثم تطرق إلى الاستعمالات الحقيقية والمجازية المتعددة لكلمة raison ، وأوضح أن ثمة حاليا نوعا من عبادة العقل Culte de la raison ، ليتساءل عما قاد الإنسان إلى إثارة وظيفة العقل. فعند اليونان كانت كلمة لوغوس Logos تعني معرفة الحساب وملكة المعرفة، وعلى هذا النحو فإن الخطاب حول العقل لا ينفصل عن الخطاب حول الإنسان من حيث كونه بحثا عن مبدإ فريد ومؤسس للظواهر. وفي العصر الوسيط تطور هذا المفهوم وأصبح مرتبطا بالعقيدة. ويمثل ديكارت خطوة جبارة في سبيل ترسيخ الفكر العقلاني والتفكير العلمي.

وتناول مساهمات كانط في مجال تحديد قدرة العقل، وروسو في باب العقد الاجتماعي، وهيغل والعقل الجدلي، وهوسرل والعقل الوضعي، وسارتر الذي تكمن أهمية الفلسفة حسبه فيما تعلقه على العقل من أهمية ودور. فالتفكير الجدلي يهتم بما هو خارجي عنه أكثر مما يهتم بنفسه.

وبخصوص مفهوم الوعي أوضح الأستاذ بلفقيه أن هذا المفهوم معقد، وأن الوعي يعكس معرفة علمية وحدسية ومباشرة وأنه تمثل ذهني للوجود. ثم تحدث عن علاقة الوعي بالتجربة، وعن الاعتبارات السيكولوجية والسوسيولوجية التي تتدخل في تشكيل الوعي، مضيفا أن التفاعل بين العقل والوعي يحدده إدراك المرء لنفسه وللأشياء وللأحداث من حوله، ومستخلصا أن الحديث عن العقل حديث عن ثقافة إنسانية عالية المستوى، فكلما كان لدى المرء وعي بأن هذه الثقافة تساعده على الحياة كلما أمكنه أن يكون عقلانيا.

وتدخل الأستاذ مصطفى بوهندي فأوضح انه سيتناول موضوع العقل من زاوية الدين وأضاف أن الحديث عن العقل من هذه الزاوية قد يكون حديثا عن محنة العقل وقد يكون حديثا عن العقلاء والمدافعين عن العقل. فمحنة العقل يمكن أن نضع لها عنوانا بارزا هو تحول الرواية إلى نص مقدس، أما الدفاع عن العقل فلم يكتب له أن يستمر. ولعل آخر من مثله هو ابن رشد الذي دافع عن الفلسفة والحكمة باعتبارها حقا. إنها حق لا يناهض الحق، فإذا شرب أحد الماء وشرق به، فإن هذا لا يعني أن الماء ضار. ولا يمكن الحديث عن محنة العقل والدفاع عنه دون الحديث عن المعتزلة الذين أثاروا موضوع الحسن والقبح العقليين، ليقولوا إن قضية العقل قضية إنسانية. فمن علامات العدل الإلهي أن فرق العقول على الناس. إن قصة دفن ابن رشد ونقل جثمانه إلى الأندلس ودفن أبي العباس السبتي مكانه لذات دلالة رمزية كبيرة بالنسبة لمآل العقل في عالمنا العربي الإسلامي.

إن ثمة حاجة إلى قراءة النصوص قراءة جيدة. فالقرآن لم يستعمل كلمتي الفكر والعقل، بل استعمل فعل: عقل (عقلوه، يعقلون، تعقلون، نعقل…)، وفعلا: فكر وتفكر ( فكر، يتفكرون، تتفكرون، تتفكروا…).

بهذا المعنى القرآني فإن العقل عملية وفعل يقوم بهما الإنسان. وأهم شيء يتفكر فيه الإنسان هو آيات الله. لقد أصبحت الآيات تحتاج إلى عالم لغة وعالم فقه، كما أصبح التفكير فيها تفكيرا فيما قيل حولها. بيد أن الآيات لا علاقة لها بالمقطع اللغوي. إنها من قبيل ما جاء في القرآن الكريم، في سورة عبس « فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم ». إن الآيات وما يجري مجراها من قصص وأمثال ومواعظ وردت من أجل العبرة. معنى ذلك أن النص القرآني كان يخاطب الإنسان مستحثا إياه على فتح عينيه، والنظر إلى ما حوله، والتمعن فيما جرى لأسلافه.

إن علوم الدين في ثقافتنا نشأت كلها مرتبطة بالنص الديني، وعلى هذا النحو لم ينشأ في تربتنا فقه الكون أو فقه الطبيعة… والنتيجة أننا أخلفنا موعدنا مع الطبيعة. ومن المعلوم أننا عندما نفقه التقدير فإننا نفقه التسخير. وإذا تمعنا في قصة آدم وتساءلنا عن سبب سجود الملائكة له سنلاحظ أنهم فعلوا ذلك لأنه عرف كل الأسماء (وعلم آدم السماء كلها ثم عرضهم على الملائكة، سورة البقرة، الآية 31 ). فهذه المعرفة هي التي أعطت للإنسان قيمة. وهذا أمر مهم في التأسيس لموضوع العقل. إن قصة موسى التي قرئت بكيفية مقلوبة في تراثنا تكشف أنه كان يبحث عمن يعلمه رغم كونه نبيا. وهي قصة جديرة بالنظر والاعتبار.

بعد العروض الثلاثة فتح باب التدخلات فلاحظ المتدخلون أن ثمة خيطا رابطا فيما بينها، وتساءلوا عن سبب كون العقل مشكلة في المجتمعات الإسلامية. ففي القرون الأولى لم يكن العقل يعتبر مستقلا، فالحقيقة التي يبحث عنها موجودة سلفا في النص. وبالتالي فإن هذا العقل محدود بحدود النص، محدود لأنه عقل بشر. وهذا هو أساس محنة العقل في تراثنا وفي ثقافتنا. بيد أن العقل الكوني مفتوح على السؤال.

وقد سجلت التدخلات حاجتنا إلى العقل. فهيغل اعتبره سيد العالم والفرض الوحيد في فلسفة التاريخ، وما الدولة سوى حلول العقل في التاريخ. إن العقل سلطة وقوة. والسؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن أن نجعل دولتنا تعبيرا عن حلول العقل في التاريخ.

ولاحظ أحد المتدخلين أن العلمانية امتداد طبيعي لسلطة العقل، وأن استعمال العقل هو الدليل الأول على الحرية. لذلك فإذا كان بنا من حاجة إلى الثورة فإنها حاجة إلى التنوير وثورة العقل.

وقد وزعت خلال اللقاء، إلى جانب الأرضية التي أعدتها جمعية بيت الحكمة حول القيم، ورقة حول « العقل » من إعداد السيدة ماريز لاروك Maryse Laroque ، جامعية ومهندسة دراسات بتولوز، جاء فيها أن العقل يصلح لدراسة المعايير المفضية إلى الحقيقة والحكم عليها. فالاستدلال الرياضي يمكن من تحديد نتيجة انطلاقا من متواليات من المبادئ المبرهن عليها والتي لا يمكن مناقضتها. فلا يمكن لشيء أن يكون هو ونقيضه في ذات الوقت. فهل يمكن للفلسفة أن تستلهم هذه الأنماط من البرهنة للوصول إلى الحقيقة؟ وبعد الإشارة، جوابا على هذا التساؤل وعلى سبيل المثال، إلى الطريقة التي عالج بها أفلاطون قضية العدل في محاوراته والتي يستفاد منها أن الفلسفة تتبنى معيارا إضافيا هو: مظهر الشيء، أكدت محررة الورقة أن العقل لا ينبغي أن يقود الإنسان إلى وضع نتائج لا يمكن أبدا وضعها موضع السؤال. فعقل اليوم قد لا يكون هو عقل الغد. كما أنه لا ينبغي لعقل الأقوى أن يسود.

 

 

septembre 11, 2015 - Posted by | Uncategorized

Aucun commentaire pour l’instant.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :